التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة سبأ

الجزء ٣ · صفحة ٣٢٧

وَمَا أرسلنا فيِ قرية من نَّذير إِلاَّ قَالَ مُترَفوها} تسلية لرسول الله مِمَّا تمنَّى من قومه؛ وتخصيص المتنعِّمين بالتكذيب، لأَنَّهُم أقرب إِلىَ الكبر والمفاخرة بزخارف الدُّنْيَا، والانهماك فيِ الشهوات والاستهانة بمن لم يحظ منها؛ ولذلك ضمُّوا التهكُّم والمفاخرة إِلىَ التكذيب، فَقَالُوا: ﴿إِنَّا بِمَا أُرسِلتم بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا: نَحْنُ أكثرُ أموالاً وأولادًا﴾ فنحن أَولَى بِمَا تدَّعون. ﴿وَمَا نَحْنُ بمُعذَّبِينَ (35)﴾ يحتمل هَذَا العذاب الذِي نَفوه عَن أنفسهم فيِ الدُّنْيَا، ويحتمل فيِ الآخِرَة من قِبَل غرورهم وأمانيهم الكاذبة.

﴿قل﴾ ردًّا لحسبانهم ﴿إنَّ رَبِّي يبسُطُ الرزقَ لمن يَشَاء ويَقْدِرُ﴾ ولذلك يختلف فِيهِ الأشخاص المتماثلة (1) فيِ الخصائص والصفات، ﴿ولكنَّ أكثر الناس لاَ يَعْلَمُونَ (36)﴾ فيظنُّون أنَّ كثرة الأموال والأولاد للشرف والكرامة، وكثيرا مَا يكون للاستدراج، كما قَالَ:

﴿وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتي تُقرِّبكُم عندنا زُلفى﴾ قربة، ﴿إِلاَّ من آمن وعَمِلَ صالحا﴾ أي: الأموال والأولاد لاَ تقرِّب إِلاَّ المؤمن الصالح، وَمَا عداه استدراج لَهُم ومكر. وقال ابن عبَّاس: «يزيد إيمانُه وعملُه تقرُّبَه منِّي»، ﴿فأولئك لَهُم جزاء الضِّعفِ بِمَا عملوا، وَهُم فيِ الغُرُفَات آمِنُونَ (37)﴾ مِنَ المكاره. ﴿وَالذِينَ يَسعون فيِ آياتنا﴾ بالردِّ والطعن فِيهَا ﴿مُعَاجزين﴾ مسابقين لأنبيائنا، أو ظانِّين أنَّهم يفوتوننا، ﴿أُولَئِكَ فيِ العذاب مُحضَرُونَ (38)﴾ فيِ الدارين.

﴿قل: إنَّ رَبِّي يبسُطُ الرزقَ لمن يَشَاء من عباده ويَقدِر لَهُ﴾ يُوسِّع عليه تارةً ويضيِّق أخرى، ﴿وَمَا أنفقتم من شيء فهو يُخلِفه﴾ إمَّا عاجلا وإمَّا آجلا، ﴿وَهُوَ خير الرازقِينَ (39)﴾ فإنَّ غيره وسائط فيِ إيصال رزقه، وَلاَ حقيقة لرازقيَّته.

{

(1) - … لَعَلَّ الأصوب: «المتماثلون».

١٬١٤٢ / ١٬٥٨٨