سورة فاطر
الجزء ٣ · صفحة ٣٣٤يَا أَيُّهَا الناس إنَّ وعدَ الله حقٌّ} لاَ خلف فِيهِ، ﴿فلا تغرَّنَّكم الحياةُ الدُّنْيَا﴾ فيذهلكم التَّمَتُّع بها عَن الجواز إِلىَ الآخِرَة، كما قيل: إنَّها قنطرة فاعبروها ولا تعمُروها، ﴿وَلاَ يغرَّنَّكم بالله الغَرُورُ (5)﴾ الشيطانُ، بأن يُمنِّيَكم المغفرةَ مَعَ الإصرار عَلَى المعصية. ﴿إنَّ الشيطان لكم عدوٌّ﴾ عداوةً عامَّة قديمة، ﴿فاتَّخِذوه عدوًّا﴾ فيِ عقائدكم وأعمالكم وأقوالكم، وكونوا عَلَى حذر مِنْهُ فيِ مجامع أحوالكم، ﴿إنَّما يدعو حِزبَه ليكونوا من أصحاب السعير (6)﴾ تقرير لعداوته وبيانٌ لغرضه فيِ دعوة شيعته إِلىَ اتِّباع الهوى، والركون إِلىَ الدُّنْيَا، (لَعَلَّهُ) فيكبَّهم معه فيِ نار السعير.
﴿الذِينَ كَفَرُوا لَهُم عذابٌ شديد﴾ فيِ الدارين، ﴿وَالذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات لَهُم مَّغفرةٌ وأجرٌ كبيرٌ (7)﴾ وعدٌ لمن أجاب دعاءه ووعيد لمن خالفه. ﴿أفمن زُيِّن لَهُ سوء عمله فرآه حسنا﴾ بأن غلب همُّه وهواه عَلَى عقلِه حَتَّى انتكس رأيه فصار يقعش (1) عَلَى أمِّ رأسه، فظنَّ الباطل حَقًّا والقبيح حسنًا، والعذابَ الشديدَ فيِ الدُّنْيَا عذابا حسنا، كمن لم يُزيَّن لَهُ، بَل توقَّف، وتأبَّى حتَّى عرف الحقَّ، واستحسن الحسن، واستقبح القبيح؟ ﴿فإنَّ الله يضلُّ من يَشَاء، ويهدي من يَشَاء؛ فلا تذهبْ نفسُك عَلَيْهِم حَسَراتٍ﴾ معناه لاَ تُهلك نفسك عَلَيْهِم للحسرات عَلَى غيِّهم وإصرارهم عَلَى المخالفة، ﴿إنَّ الله عليمٌ بِمَا يصنعُونَ (8)﴾ وعيد وتهديد.
{
(1) - … في اللسان: «قعش الشَّيْء قعْشا: عطفه … وانقعش الحائط إذا انقلع». ابن منظور: لسان العرب، ج5/ ص130، مَادَّة «قعش».