التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الحج

الجزء ٣ · صفحة ٨٩

ذَلِكَ} إشارة إِلىَ مَا ذكر من خلق الإنسان فيِ أطوار مختلفة، وتحويله عَلَى أحوال متضادَّة، وإحياء الأَرْض بعد موتها ﴿بأنَّ الله هُوَ الحَقُّ﴾؛ أي: بسبب أنَّه الثابت فيِ نفسه، الذِي بِهِ تتحقَّق الأشياء، ﴿وأنَّه يُحيي الموتَى﴾ وَأَنَّهُ يَقْدِر عَلَى إحيائها، لمَّا أحيا النطفة، والأَرْض المَيِّتة، ﴿وأنَّه عَلَى كُلِّ شيء قدير (6)﴾ لأَنَّ قدرته لذاته الذِي نِسبته إِلىَ الكلِّ عَلَى سواء. فَلَمَّا دلَّت المشاهَدة عَلَى قدرته عَلَى إحياء بعض الأموات، لزم اقتداره عَلَى إحياء كلِّها، وعَلَى كلِّ شيء. ﴿وأنَّ الساعة آتية لاَ ريب فِيهَا﴾ فإنَّ التغيير مِنَ مقدِّمات الانصِرَام وطلائعه؛ ﴿وأنَّ الله يبعث مَن فيِ القبور (7)﴾ بمقتضى وَعدِه الذِي لاَ يقبل الخلف.

﴿ومن الناس مَن يُجادل فيِ الله بغير علم﴾ تكرير للتأكيد، وَلِمَا ينطُّ (1) بِهِ مِنَ الدلالة بقوله: ﴿وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنير (8)﴾ عَلَى أنَّه لاَ سند لَهُ مِنَ استدلال، أو وحي؛ أو الأوَّل فيِ المقلِّدين، وَهَذَا مِنَ المقلّدين. والمُرَاد بالعلم: العلم الفطريُّ لاَ الفكريُّ، ليصحَّ عطف «الهدى» وَ «الكتاب» عليه. ﴿ثَانيَ عِطفه﴾ متكبِّر؛ أو ثَنْي العطف كناية عَن التكبُّر كَلَيِّ الجيد؛ أو مُعرِضا عَن الحقِّ، استخفافا بِهِ؛ والعِطف: الجانب. ﴿ليُضلَّ عَن سبيل الله﴾ علَّة للجدال؛ وقرئ بفتح الياء، عَلَى أن إعراضه عن الهدى المتمكِّن مِنْهُ بالإقبال عَلَى الجدالِ الباطل، خروج مِنَ الهدى إِلىَ الضلال. ﴿لَهُ فيِ الدُّنْيَا خِزيٌ﴾ كلُّ مَن كَانَ وصفه عَلَى هَذَا فله فيِ الدُّنْيَا خِزي يُعَذَّب بِهِ. ﴿ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق (9)﴾ المُحرق، وَهُوَ النار.

{

(1) - … «النطُّ الشدُّ». لَعَلَّهُ يقصد: وما يَتَّصِل به من الدلالة … إلخ. ابن منظور: لسان العرب، 6/ 661. مادَّة: «نطط».

٩٠٤ / ١٬٥٨٨