التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الحج

الجزء ٣ · صفحة ١٠٤

فكأيِّن مِن قرية [379] أهلكناها} بإهلاك أهلها، ﴿وهي ظالمةٌ﴾ أي: أهلها، ﴿فهي خاويةٌ عَلَى عُروشها﴾ ساقطة حيطانها عَلَى سُقوفها، بِأَن تعطَّل بنيانها، فَخربت سقوفها، ثُمَّ تهدَّمت حيطانها، فسقطت فوق السقوف؛ أو خالية مَعَ بقاء عُروشها وسَلامتها، ﴿وبئرٍ معطلة﴾ أي: وكم بئرٍ عامرة فيِ البوادي تُركت لاَ يُستقى منها لهلاك أهلها، ﴿وقَصْرٍ مَشِيد (45)﴾ مرفوع، أخليناه عَن ساكنيه.

﴿أفلم يسيروا فيِ الأَرْض﴾ حثٌّ لَهُم عَلَى أن يُسافروا لِيَروا مَصَارع المهلَكين فيعتبروا، وَهُم وإن كَانُوا قد سافروا لم يُسافروا لذلك؛ ويَحتمل هاهنا السير بتفكُّر القلوب فيِ قصص الماضين، ليعتبروا بِمَا وقع مِنْهُم، وبهم وفيهم، ليحذروا مشاربهم، ﴿فتكونَ لَهُم قلوب يعقلون بها﴾ مَا يَجب أن يُعقل مِنَ التوحيد، بِمَا حَصل لَهُم مِنَ الاستبصار والاستدلال، ﴿أو آذانٌ يَسمعون بها﴾ مَا يجب أن يُسمع مِنَ الوحي، والتذكير بِحال مَن شاهدوا آثارهم؛ ﴿فإنَّها لاَ تَعمَى الأبصار﴾ أبصارُ العيون، فإنَّه لاَ يَضرُّ عَمَاها عند الاستبصار، ﴿ولكن تَعمَى القلوبُ التِي فيِ الصدور (46)﴾ عَن الاعتبار؛ أي: ليس الخلل فيِ مشاعرهم (1)، وإنَّما عَمِيَت بصائرهم باتِّباع الهوى، والانهماك فيِ التقليد؛ وفصَّل التنبيه عَلَى أنَّ العمى الحقيقيَّ، والسمع الحقيقيَّ، ليس المتعارف الذِي يَخصُّ البصر، والسمع الظاهر.

﴿ويستعجلونك بالعذاب﴾ المتوعَّد بِهِ، ﴿ولن يُخلِفَ الله وَعدَه﴾ لامتناع الخلف عَنْهُ فيِ خبره، فيصيبهم بِمَا أوعدهم، ولو بعد حين. ﴿وإنَّ يوما عند رَبّكَ كألفِ سنةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)﴾ مِن أَيَّامكم؛ أي: مِن شدَّة مَا يَلقَى فِيهِ أعداؤه مِنَ الشدائد؛ لأَنَّ أيَّام الشدائد مُستطالة، وَأَن يكون للمؤمنين كما بين الصلاتين، لأَنَّهُم لاَ يحزنهم الفزع الأكبر.

{

(1) - … كذا في الأصل، ولعلَّه يقصد: في حواسِّهم الظاهريَّة.

٩١٩ / ١٬٥٨٨