سورة المؤمنون
الجزء ٣ · صفحة ١٢٢وإنَّ هَذِهِ أمَّتُكم أُمَّة وَاحِدَة} مِلَّتُكم أيُّها الرسل، ملَّة وَاحِدَة، فيِ العقائد، وأصول الشرائع، ﴿وأنا رَبّكُم فاتَّقُونِ (52)﴾ فيِ شقِّ العصا، ومُخالفة الكلمة. ﴿فتقطَّعوا أمرَهم بَيْنَهُم﴾ تقطَّعوا أمر دينهم، وجعلوه أديانا مُختلفة، ﴿زُبُرًا﴾ قِطَعا، جمع زَبور، الذِي معناه: الفرقة، ﴿كلُّ حِزبٍ﴾ مِنَ المتحزِّبين ﴿بِمَا لديهم﴾ مِمَّا يَدينون ﴿فَرحُونَ (53)﴾ مُعجَبون، مسرورون مُعتقدون أنَّهم عَلَى الحقِّ. ﴿فَذَرهُم فيِ غَمرتهم﴾ فيِ جَهالتهم؛ شَبَّهها بالماء الذِي يَغمر القامة، لأَنَّهُم مَغمورون فِيهَا؛ أو لاعبون؛ وقرئ: «فيِ غمراتهم». ﴿حَتَّى حِين (54)﴾ إِلىَ أن يُقتَلوا أو يَموتوا.
﴿أيَحسبون أَنَّمَا نُمِدُّهم بِهِ﴾ نُعطيهم، ونَجعله مَدًّا لَهُم، ﴿مِن مال وبَنِين (55)﴾ بيان لِـ «مَا»، وليس خبرًا لَهُ، فَإِنَّهُ غير مُعاب عليهم؛ وإنَّما المعابُ عَلَيْهِم اعتقادهم أنَّ ذَلِكَ خيرا لَهُم. ﴿نُسارع لَهُم فيِ الخيرات﴾ المعنى: أنَّ الذي نُمدُّهم بِهِ نسارع بِهِ لَهُم فيما فِيهِ خيرهم وإكرامهم، ﴿بَل لاَ يَشعرُونَ (56)﴾ بَل هم كالبهائم، لا فطنة لَهُم وَلاَ شعور، ليتأمَّلوا فيعلموا أنَّ ذَلِكَ الإمداد استدراج لاَ مسارعة فيِ الخير؛ فَيُفرَّق الإمداد بافتراق العاصي والمطيع، فيكون للمطيع مسارعة لَهُ فيِ الخير، ويكون للعاصي استدراجا لَهُ فيِ الشرِّ؛ فيظنُّ العاصي أنَّ إمداده وإمداد المطيع عَلَى وتيرة وَاحِدَة، ويعلم المطيع أنَّ إمداده له بمنزلة الترياق، لأَنَّهُ يبقون (1) به عَلَى الخير، وأنَّ إمدادَ ضدِّه فعلى العكس؛ فعلى المرءِ أن يُقبِل عَلَى شأنه، ويتفقَّد أحوال عَمَله، ويُقوِّمها عَلَى الصِّرَاط السويِّ، وإن خالف ذَلِكَ بِحرف وَاحِد، لَحقه وعيدُ الاستدراج والغرور، مِن حيث لاَ يشعر.
{
(1) - … كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يبقى».