سورة المؤمنون
الجزء ٣ · صفحة ١٢٣إنَّ الذِينَ هُم مِن خَشيةِ ربِّهم مُشفقُونَ (57)} مِن خوف عذابه واستدراجه لَهُم؛ [387] فالمؤمن قد جمع إحسانا وخشية، والمنافق قد جمع إساءة وأمنا. ﴿وَالذِينَ هم بِآيَاتِ ربٍّهم﴾ البالغة لَهُم ﴿يُؤْمِنُونَ (58)﴾ يُصدِّقون. ﴿وَالذِينَ هم بِرَبِّهِم لاَ يُشركُونَ (59)﴾ شركا جليًّا وَلاَ خفيًّا. ﴿وَالذِينَ يُؤتون مَا آتَوا﴾ يُعطون مَا أَعطَوه مِنَ الصدقات؛ وقُرئ مقصورا (1)، أي: يفعلون مَا فعلوه مِنَ الطاعات، ﴿وقلوبُهم وَجِلَة﴾ خائفة أن لاَ يُقبل مِنْهُم (لَعَلَّهُ) بشؤم ذنوبهم، وأن لاَ تقع عَلَى الوجه اللاَّئق فَتُردّ عَلَيْهِم، ويؤاخَذوا بها؛ أو مِن خوف سوء الخاتمة عند كلِّ خطرة وحركة، ﴿أَنَّهُمْ إِلىَ ربِّهم راجعُونَ (60)﴾ فَيُسألوا عَن جميع مَا أَتَوا. وفي هَذَا بيان الحكمة من أنَّه لم ينزل الكتاب بذكر مَا يُؤتى ويذر كلّ شيء بعينه مفسَّرا، ليكون المؤمن خائفا راجيا.
﴿أُولَئِكَ يُسارعون فيِ الخيرات﴾ يَرغبون فيِ الطاعات أشدَّ الرغبة، فيبادرونها، أو يسارعون فيما آتاهم الله من ثواب الدُّنْيَا، المعاونة لَهُم عَلَى صالح الأعمال باستعمالها، كقوله: ﴿فآتاهم الله ثوابَ الدُّنْيَا﴾ (2) فيكون إثباتا لَهُم مَا نُفي عَن أضدادهم المتقدِّم ذكرهم، ﴿وَهُم لَها سابقُونَ (61)﴾ لأجلها، فاعلون المسابقة، فيسبقون الناس إِلىَ الطاعة أو الجنَّة؛ أو سابقونها، أي: ينالونها قبل الآخِرَة حيث عُجِّلت لَهُم فيِ الدُّنْيَا، كما عُجِّل الشرُّ لأضدادهم؛ فهؤلاء لَهُم خير الدُّنْيَا والآخِرَة، وهؤلاء لَهُم شرُّ الدُّنْيَا والآخِرَة، وليس لَهُم مِنَ الخير مثقال ذَرَّة.
{
(1) - … أي: «يَأتُون ما أَتَوا»، كما في: الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 151. أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص140. وللتفصيل حول هَذِهِ القراءة والروايات الواردة في الموضوع انظر: الألوسي: روح المعاني، 17/ 44.
(2) - … سورة آل عمران: 148.