سورة المؤمنون
الجزء ٣ · صفحة ١٢٦ولو اتَّبع الحَقُّ أهواءهم} بِأَن كَانَ فيِ الواقع آلهة شتَّى عَلَى قدر أهويتهم، حتَّى يكون لِكُلٍّ معبودُه هواه، لتطاردت الإرادات إِلىَ مَا يعقب فساد العالم، كما قَالَ: ﴿لَفَسَدت السَّمَاوَات والأَرْض ومَن فيهنَّ﴾ كما سبق تقريره فيِ قوله: ﴿لو كَانَ فيهما آلهةٌ إِلاَّ الله لَفَسدتا﴾ (1)؛ وقيل: لو اتَّبع الحقُّ أهواءهم وانقلب باطلا، لذهب مَا قام بِهِ العالم؛ أو ولو اتَّبع الحقُّ الذِي جاء بِهِ محمَّدٌ أهواءَهم وانقلب شركًا، لجاء الله بالقيامة وأهلك العالَمَ من غضب الله. ﴿بَل أتيناهم بذكرهم﴾ بالكتاب الذِي هُوَ ذِكرهم، أي: وعظهم؛ وقيل: بِمَا فِيهِ فَخرهم وشرفهم، كما قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لك ولقومِك﴾ (2)، ﴿فَهُم عَن ذكرهم مُعرضُونَ (71)﴾ لايلتفتون إليه.
﴿أم تسألهم خَرجًا﴾ أجرا عَلَى أداء الرسالة، ﴿فخراجُ رَبِّكَ﴾ رزقه فيِ الدُّنْيَا، وثوابه فيِ العقبى ﴿خير﴾ لسعَتِه وداومه، فإنَّه لايتأتَّى انقطاعه كانقطاع مَا فيِ الأيدي، ﴿وَهُوَ خير الرازقِين (72)﴾ تقرير لخيريَّة خراجه. ﴿وإنَّك لَتَدعوهم إِلىَ صِرَاط مُسْتَقِيم (73)﴾ تشهد العقول السليمة عَلَى استقامته لاَ عوج فِيهِ، ليوجب اتِّهامهم لَهُ، لأَنَّهُ لاَ مَجال للتُّهمة. واعلم أنَّه سبحانه ألزمهم الحجَّة وأزاح العلَّة، بِأَنَّ حصر أقسام ما يُؤدِّي إِلىَ الإنكار والاتِّهام، وبيَّن انتفاءها، مَا عدى كراهة الحقِّ، وقِلَّة الفطنة.
﴿وإن الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَة عَن الصِّرَاط لناكبُونَ (74)﴾ لعادلون عَنْهُ مائلون؛ فإنَّ خوف الآخِرَة أقوى البواعث عَلَى طلب الحقِّ، وسلوك طريقه. ﴿ولو رحمناهم وكشفنا مَا بِهم مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا﴾ اللَّجاج: التَّمادي فيِ الشيء، ﴿فيِ طغيانهم﴾ إفراطهم فيِ الكفر، والاستكبار عَن الحقِّ ﴿يعمهُونَ (75)﴾ عَن الهدى.
{
(1) - … سورة الأنبياء: 22.
(2) - … سورة الزخرف: 44.