التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة المؤمنون

الجزء ٣ · صفحة ١٢٨

وَهُوَ الذِي ذَرَأكم فيِ الأَرْض وَإليه تُحشرُونَ (79) [389] وَهُوَ الذِي يُحيي ويُميت وَلَهُ اختلاف الليلِ والنهارِ} مُختصٌّ بِهِ تعاقبهما لاَ يقدِر عليه غَيْره، ﴿أفلا تعقلُونَ (80)﴾؟ بالنظر والتأمُّل أنَّ الكلَّ (1) مِنَّا، وأنَّ قدرتنا تعمُّ الممكنات كلَّها، وأنَّ البعث من جملتها. ﴿بَل قَالُوا مثل مَا قَالَ الأَوَّلُونَ (81)﴾ آباؤهم ومَن دان بدينهم، ﴿قَالُوا: أئذا مِتنا وَكُنَّا ترابا وعظاما أئنَّا لَمبعوثُونَ (82)﴾؟ استبعادا؛ ولم يتأمَّلوا أنَّهم كَانُوا قبل ذَلِكَ أَيْضًا تُرابا فَخُلقوا. ﴿لَقَد وُعدنا نَحْنُ وآباؤنا هَذَا مِن قبل﴾ أي: لَقَد وُعدنا وآباؤنا (لَعَلَّهُ) فلم نَرَ هَذَا الوعد، ﴿إنْ هَذَا إِلاَّ أساطير الأَوَّلِين (83)﴾ إِلاَّ أكاذيبهم التِي كَتَبوها، جمع أُسطورة، لأَنَّهَا تُستعمل فيما يُتلهَّى بِهِ، كالأعاجيب والأضاحيك؛ وقيل: جمع أَسطَار، جمع سَطر.

﴿قل﴾ يا مُحَمَّد: ﴿لِمَن الأَرْضُ ومَن فِيهَا إن كُنتُم تَعْلَمُونَ (84)﴾؟ إن كُنتُم مِنَ الْعَالِمِينَ بذلك، فيكون استهانة بهم، وتقريرا لفرط جهالتهم، حتَّى جَهلوا مثل هَذَا الجليِّ الواضح، وإلزاما لِمَا لا يمكن ــ لِمَن لَهُ مسكة مِنَ العلم ــ إنكارُه؛ ولذلك أخبر عَن جوابهم قبل أن يُجيبوا، فقال: ﴿سيقولون: للهِ﴾ لأَنَّ العقل الصريح قد اضطرَّهم بأدنى نظر إِلىَ الإِقْرَار بأنَّه خالقها، ﴿قل﴾ أي: بعد مَا قالوه: ﴿أفلا تذَكَّرُونَ (85)﴾؟ فتعلموا أنَّ مَن فَطر الخلق ابتداء، قَدرَ عَلَى إيجادها ثانيا؛ فإنَّ الابتداء ليس بأهون مِنَ الإعادة.

{

(1) - … في الأصل: «ان كل»، وهو خطأ، والصواب ما أثبت من: أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص147.

٩٤٣ / ١٬٥٨٨