سورة المؤمنون
الجزء ٣ · صفحة ١٣١حتَّى إِذَا جاء أحدَهم الموتُ} مُتعلِّق بـ «يصفون»، ﴿قَالَ﴾ تَحسُّرا عَلَى مَا فَرَّط، لمَّا أن حقَّ يقينه: ﴿ربِّ ارجعون (99)﴾ رُدُّوني إِلىَ الدُّنْيَا. ﴿لعلِّي أعملُ صالحا فيما تَركتُ﴾ فيِ الدُّنْيَا مِنَ العمل الواجب عليَّ؛ ﴿كَلاَّ﴾ رَدع عَن طلب الرجعة، واستبعاد لَهُم، ﴿إِنَّهَا كلمةٌ﴾ يعني قوله: ﴿رَبِّ ارجعون … ﴾ إِلىَ آخره. ﴿هُوَ قائلها﴾ وَلاَ ينالها لاَ مَحالة، لتسلُّط الحسرة عَلَيه عذابا، وَهُوَ أهل لَهُ. روي عَن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا عَاين المؤمن المَلاَئِكَة قَالُوا: نُرجعك إِلىَ الدُّنْيَا؟ قَالَ: إِلىَ دار الهمومِ والأحزان، بَل قُدوما إِلىَ الله، وَأَمَّا الكافر فيقول: رَبِّ ارجعون» (1). قَالَ قتادة: «مَا تَمَنَّى أن يَرجع إِلىَ أهلٍ وعشيرة، وَلاَ ليجمع الدُّنْيَا، ويقضي الشهوات؛ ولكن تَمَنَّى أن يرجع، فيعمل لطاعة الله؛ فرحم الله امرء عمل فيما يتمنَّاه». ﴿ومِن وَرائهم﴾ أمامهم ﴿بَرزَخ﴾ حائل بَيْنَهُم وبين الرجعة ﴿إِلىَ يوم يُبعثُونَ (100)﴾ يوم القيامة، وَهُوَ قَطعٌ عَن طمع الرُّجوع إِلىَ الدُّنْيَا، لَمَّا عَلِم أنَّه لاَ رجعة يوم البعث إِلىَ الدُّنْيَا.
﴿فإذا نُفخ فيِ الصور﴾ لقيام الساعة، ﴿فلا أَنسَابَ بَيْنَهُم﴾ ينفعهم لزوال التعاطف والتراحم مِن فرط الحيرة، واستيلاء الدَّهشة، بحيث ﴿يَفرُّ المرء من أخيه، وأُمِّه وأبيه، وصاحبته وبنيه﴾ (2)، ﴿يومئذ﴾ كما يفعلون اليوم، ﴿وَلاَ يَتَساءلُونَ (101)﴾ وَلاَ يَسأل بعضهم بعضا سؤالَ نفع، وكَأنَّ الآيَة مَخصوصة فيِ الْكَافِرِينَ، أو فيِ الجميع، لقوله:
{
(1) - … لم نعثر عَلَيه في الربيع، ولا في الكتب التسعة، ولا في الجامع الصغير وزياداته.
(2) - … سورة عبس: 34 - 36.