التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة النور

الجزء ٣ · صفحة ١٤٣

الله نور السَّمَاوَات والأَرْض} (ومن كتب أصحابنا: «وعن قول الله: ﴿الله نور السَّمَاوَات والأَرْض﴾ المعنى: لَعَلَّهُ أَنَّهُ الهادي لِمَن في السموات والأرض) (1) . النور فيِ الأصل: كَيفِية تدركها الباصرة أَوَّلاً، وبواسطتها سائر المبصرات، كالكيفية مِنَ النيِّرين عَلَى الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وَهُوَ بهذا المعنى لايصحُّ إطلاقه عَلَى الله تعالى إِلاَّ بتقدير مضاف، كقولك: زيدٌ كَرَمٌ، بمَعنَى: ذو كرم. أو عَلَى تَجوُّز، إمَّا بمعنى: مُنوِّر السَّمَاوَات والأَرْض، وقد قرئ به؛ وأنَّ الله تعالى نوَّرها بالكواكب، وَمَا يفيض عليها مِنَ الأنوار، أو بالمَلاَئِكَة والأنبياء. أو مدبِّرُها ــ من قولهم للرئيس الفائق فيِ التدبير: نور القوم، لأَنَّهُم يهتدون بِهِ فيِ الأمور ــ وموجدُها، فإنَّ النور ظاهر بذاته مُظهر لغيره؛ وأصل الظهور هُوَ الوجود، كما أنَّ أصل الخفاء هُوَ العدم، وَاللهُ سبحانه موجود بذاته موجِد لِمَا عداه. أو للذي بِهِ يُدرَك. أو يُدرك أهلها، من حيث أنَّه يُطلق عَلَى الباصرة لتعلُّقها بِهِ، أو لمشاركتها لَهُ فيِ توقُّف الإدراك عليه، ثُمَّ عَلَى البصيرة، لأَنَّهَا أقوى إدراكا، فإنَّها تُدرك نفسها وغيرها من الكلِّيَّات والجزئيَّات للموجودات والمعدومات، وتغوص فيِ بواطنها وتنصرف فِيهَا بالتراكيب والتحليل، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الإدراكات ليست لذاتها، وَإِلاَّ لَمَا فارقتها، فهي إذن مِن سببٍ يُفيضها عليها، وَهُوَ الله سبحانه وتعالى ابتداء أو بتوسُّطٍ مِنَ المَلاَئِكَة والأنبياء، ولذلك سمُّو أنوارًا. ويقرب مِنْهُ قول ابن عبَّاس: «معناه هادي من فِيهَما». فَهُم بنوره يهتدون، وإضافته إِلَيْهِما للدلالة عَلَى سعة إشراقه. [

(1) - … ما بين قوسين كتب في الحاشية ولم يُحِل إِلَيهِ في النصِّ، وأثبتناه في سياقه باجتهادنا، ويبدو أَنَّه من إضافة الناسخ.

٩٥٨ / ١٬٥٨٨