سورة النور
الجزء ٣ · صفحة ١٤٧الزيتونة: المثمرة بالزيت الذِي هُوَ مادَّة المصباح، التِي لاَ تكون شرقيَّة وَلاَ غربيَّة، لتجرُّدها عنَ اللواحق الجسميَّة، أو لوقوعها بين الصور والمعاني متصرّفة فيِ القبيلتين، منتفعة مِنَ الجانبين. والقوة القدسيَّة كالزيت، فإنَّها لصفائها وشدَّة ذكائها تكاد تضيء بالمعارف، من غير تفكير وَلاَ تعليم، ولا تمثيل للقوَّة العقليَّة فيِ مراتبها بذلك؛ فإنَّها فيِ مبدإ أمرها خالية عَن العلوم، مستعدَّة لقبولها كالمشكاة، ثُمَّ ينتقش بالعلوم الضَّرورية بتوسُّط إحساس الجزئيَّات، بحيث يتمكَّن مِن تَحصيل النظريَّات، فتصير كالزجاجة متلألئة فيِ نفسها، قابلة للأنوار؛ وذلك التمكُّن إن كَانَ تفكُّرا واجتهادا، فكالشجرة الزيتونة؛ وإن كَانَ بالحدس فكالزيت؛ وإن كَانَ بقوَّة قدسيَّة، فكالذي يكاد زيتها يُضيء، لأَنَّهَا تكاد تعلم ولو لم تَتَّصِل بملك الوحي، والإلهام الذِي مثله النار، من حيث أنَّ العقول تشتعل منهما؛ ثُمَّ إِذَا حصلت لها العوم (1) بحيث يتمكَّن مِن استحضارها متى شاءت، كَانَ كالمصباح؛ فإذا استحضرها كَانَ نورا عَلَى نور.
﴿يهدي الله لنوره﴾ لهذا النور الثاقب ﴿مَن يَشَاء﴾ فإنَّ الأسباب دون مشيئته لاغية، إذ بها تَمامها، ﴿ويضربُ الله الأمثالَ للناس﴾ إدناءً للعقول مِنَ المحسوس، توضيحا وبيانا، ﴿والله بِكُلِّ شيء عليم (35)﴾ معقولا كَانَ أو مَحسوسا؛ ظاهرا كَانَ أو خفيًّا؛ وفيه وعد ووعيد لِمَن تدبَّرها، ولم يكترث بها.
{
(1) - … كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «العلوم».