سورة النور
الجزء ٣ · صفحة ١٥٠أو كظلماتٍ فيِ بحر لُّجِّيٍّ يغشاه موجٌ مِن فوقِه موجٌ} أمواج مترادفة متراكمة، ﴿من فوقه﴾ من فوق الموج الثاني ﴿سحابٌ﴾ غطَّى النجوم، وحجب أنوارها، ﴿ظلماتٌ بعضُها فوق بعض؛ إِذَا أَخرج يده﴾ وهي أقرب مَا يرى إليه، ﴿لم يَكَد يراها﴾ لم يقرب أن يراها، فضلا عَن أن يراها، أو يرى ما هُوَ أبعد منها. ﴿ومن لم يجعل الله لَهُ نورا﴾ ومن لم يُقدِّر لَهُ الهداية ولم يوفِّقه لأسبابها، ﴿فما لَهُ من نور (40)﴾ خلاف الموفَّق الذِي لَهُ نور عَلَى نور.
﴿ألم تر﴾ ألم تعلم علما يشبه المشاهدة فيِ اليقين، والوثاقة بالوحي، أو الاستدلال، ﴿أنَّ الله يُسبِّح لَهُ من فيِ السَّمَاوَات والأَرْض﴾ ينزِّهه (1) عَن كُلِّ نقصٍ وآفةٍ أهلُ السَّمَاوَات والأَرْض. و «من» لتغليب العقلاء، أو المَلاَئِكَة والثقلان، مَا يدلُّ عليه، أو دلالة حال، ﴿والطير﴾ عَلَى الأوَّل بتخصيص، لما فِيهَا مِنَ الصنيع الظاهر، والدليل الباهر، لذلك قيَّدها بقوله: ﴿صافَّات﴾ فإنَّ إعطاء الأجرام الثقيلة مَا بِهِ تقوى عَلَى الوقوف فيِ الجوِّ صافَّة باسطة أجنحتها بِمَا فِيهَا مِنَ القبض والبسط، حُجَّة قاطعة عَلَى كمال قدرة الصانع، ولطف تدبيره. ﴿كُلٌّ﴾ كلُّ وَاحِد مِمَّا ذُكر، أو مِنَ الطير ﴿قد علم صلاته وتسبيحه﴾ أي: قد علم الله دعاءه وتنزيهه، اختيارا أو طبعا، لقوله: ﴿والله عليم بِمَا يفعلُونَ (41)﴾ أو علم كُلٌّ عَلَى تشبيه حاله فيِ الدلالة عَلَى الحقِّ، والميل إِلىَ النفع، على وجه يخصُّه بحال من علم ذَلِكَ، مَعَ أنَّه لاَ يبعد أن يُلهم الله الطير دعاءً وتسبيحًا، كما ألهمها علوما دقيقة فيِ تعيُّشها وغيره، لاَ يكاد يهتدي إليه العقلاء.
{
(1) - … في الأصل: «تنزه»، وهو خطأ.