التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة النور

الجزء ٣ · صفحة ١٥١

ولله مُلكُ السَّمَاوَات والأَرْض} فإنَّه الخالق لهما، أو لما فيهما مِنَ الذوات والصفات [399] والأفعال، من حيث أنَّها مُمكِنة، واجبة الانتهاء إِلىَ الواجب، أي: تقديرها، وتدبير أمرها، وتصريف أحوالها كما يَشَاء، ﴿وإلى الله المصير (42)﴾ مرجع الجميع.

﴿ألم تر أنَّ الله يُزجِي سحابا﴾ يسوق سحابا إِلىَ حيث يَشَاء من أرضه وخلقه، ومنه “البضاعة المزجاة”، فإنَّها يزجيها كلُّ أحد. ﴿ثُمَّ يُؤلِّف بينه﴾ بِأَن يكون قِزَعًا (1)، فيضمُّ بعضه إِلىَ بعض، ﴿ثُمَّ يجعله رُكامًا﴾ متراكما بعضه فوق بعض، ﴿فترى الوَدقَ﴾ المطر، ﴿يخرج من خلاله﴾ من فُتوقِه؛ جمع خَلَل، ﴿ويُنزِّل مِنَ السَّمَاء﴾ مِنَ الغمام؛ وكلُّ مَا علاك فهو سماء، ﴿من جبال فِيهَا﴾ من قطعٍ عظامٍ تشبه الجبال فيِ عظمها، أو جمودها، ﴿من بَرَدٍ﴾ بيان للجبال، ﴿فيصيب بِهِ من يَشَاء﴾ فيهلك زرعه وأمواله، ﴿ويَصرِفه عَن من يَشَاء﴾ فلا يضرُّه؛ والضمير للبَرَد، ﴿يكاد سَنَا بَرْقِهِ﴾ ضوء برقه ﴿يَذهَب بالأبصار (43)﴾ الناظرين إليه من فرط الإضاءة، وذلك أقوى دليل عَلَى كمال القدرة من حيث أَنَّهُ توليد الضدِّ مِنَ الضدِّ.

﴿يُقلِّب الله الليلَ والنهارَ﴾ بالمعاقبة بينهما، أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر، أو بتغيُّر أحوالهما بالحرِّ والبرد، والظلمة والنُّور، أو بما يعمُّ ذَلِكَ، ﴿إنَّ فيِ ذَلِكَ﴾ فيما تقدَّم ذكره ﴿لَعِبرةً لأُولي الأبصار (44)﴾ لَدَلالة عَلَى وجود الصانع القديم، وكمال قدرته، وإحاطة علمه، وإنفاذ مشيئته، وتنزيهه مِنَ الحاجة وَمَا يفضي إِلَيْهِا، لمن يرجع إِلىَ بصيرة (2).

{

(1) - … في المنجد: «القزع، الواحدة: قزعة: أخذ بعض الشعر وترك بعضه. كُلُّ شيء يكون قطعا متفرِّقة. قطع من السحاب صغار متفرِّقة. ص 627، مادَّة: «قزع».

(2) - … كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بصيرته».

٩٦٦ / ١٬٥٨٨