التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الفرقان

الجزء ٣ · صفحة ١٦٠

وَقَالُوا: مَالِ هَذَا الرسول} مَا لهذا الذِي يزعم الرسالة؛ وفيه استهانة وتهكُّم، ﴿يأكل الطعام﴾ كما نأكل، ﴿ويَمشي فيِ الأسواق﴾ لطلب المعاش كما نَمشي؛ والمَعنَى: إن صحَّ دعواه فما باله لم تخالف حاله حالنا، وذلك لعماهم وقصور نظرهم عَلَى المحسوسات، فإنَّ تَمييز الرسل عمَّن عداهم ليس [بأمور] (1) جسمانيَّة، وإنَّما هُوَ بأحوال نفسانيَّة، كما أشار إِلَيْهِ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أنا بشر مِثْلُكم يُوحى إليَّ أنَّمَا إلهُكم إله واحد﴾ (2)، ﴿لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فيكونَ معه نذيرا (7)﴾ لنعلم صدقه بتصديق الملَك.

﴿أو يُلقَى إِلَيْهِ كنزٌ﴾ فيستظهر بِهِ، ويستغني عَن تَحصيل المعاش، ﴿أو تكون لَهُ جنَّة﴾ اغتناء بها عَن العدم، ﴿يأكل منها﴾ لأَنَّ نظرهم قاصر عَلَى ظواهر الأمور؛ ﴿وقال الظالمون﴾: وضع “الظالمون” موضع ضميرهم تسجيلا عَلَيْهِم بالظلم فيما قالوه، ﴿إن تتَّبعون إِلاَّ رَجلا مسحورا (8)﴾ سُحر فغُلب عَلَى عقله؛ وقيل: ذا سحر، أي: بشرا لاَ مَلَكا.

﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثالَ﴾ يعني: الأشباه، فَقَالُوا: مسحور، وَقَالُوا فيك الأقوال الشاذَّة، واخترعوا لك الأحوال النادرة، ﴿فضلُّوا﴾ عَن الطريق الموصل إِلىَ معرفة خواص النَّبِيِّ؛ والميزِ بينه وبين المتنبِّئِ، فخبطوا خَبْط عشواء، ﴿فلا يستطيعون سبيلا (9)﴾ إِلىَ القدح فيِ نبوَّتك، أو إلى الرشد والهدى.

{

(1) - … زيادة من أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص205، ليستقيم المَعنَى.

(2) - … سورة الكهف: 110؛ وسورة فصِّلت: 6.

٩٧٥ / ١٬٥٨٨