التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الفرقان

الجزء ٣ · صفحة ١٦٩

أرأيت من اتَّخَذَ إلهه هواه} بأن أطاعه وبَنى عليه دينه، لاَ يسمع حجَّة وَلاَ يَتَبصَّر دليلا، ﴿أفأنت تكون عليه وكيلا (43)﴾؟ حفيظا لِمنعه عَن الشرك والمعاصي، وحالةُ هَذَا ليس عليك إِلاَّ البلاغ. ﴿أم تَحسب أنَّ أكثرهم يسمعون﴾ سماعَ تفهُّم، ﴿أو يعقلون﴾ بقلوبهم مَا تُبلِّغهم مِنَ الحجج، فتجدي لَهُمُ الآيات والحجج، فتهتمَّ بشأنهم، وتطمع فيِ إيمانهم؛ وَهُوَ أشدُّ مذمَّة مِمَّا قبله حتَّى حقَّ بالإضراب عنه إليه، ﴿إن هُم الاَّ كالأنعام﴾ فيِ عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم، وعدم تَدبُّرهم فيما شاهدوا مِنَ الدلائل والمعجزات، ﴿بَل هم أضلُّ سبيلا (44)﴾ مِنَ الأنعام، لأَنَّهَا تنقاد لِمَن يتعهَّدها، وتُميِّز مَن يُحسن إِلَيْهِا مِمَّن يُسيء إِلَيْهِا، و تطلب مَا ينفعها، وتَجتنب مَا يضرُّها؛ وهؤلاء لاَ ينقادون لِرَبِّهِمْ، وَلاَ يعرفون إحسانه مِن إساءة الشيطان، وَلاَ يطلبون الثواب الذِي هُوَ أعظم المنافع، وَلاَ يَتَّقون العقاب الذِي هُوَ أشدُّ المضارِّ، ولأنَّها إن لم تعتقد حقًّا، ولم تلتبس خيرًا، لم تنعقد (1) باطلا، ولم تكتسب شرًّا، بِخلاف هؤلاء؛ ولأنَّ جهالتها لاَ تضرُّ بأحد، وجهالة هؤلاء تؤدِّي إِلىَ تهييج الفتن، وصدِّ النَّاس عَن الحقِّ، ولأنَّها غير مُمَكَّنة مِن طلب المنافع، فلا تقصير منها وَلاَ ذمَّ؛ وهؤلاء مقصِّرون مستحقُّون أعظم العقاب عَلَى تقصيرهم، لأَنَّ القادر عَلَى نيل الكمال أحرى بالذَّمِّ، وأجدر بالنسبة إِلىَ الضلال مهما تقاعد عَن طلب الكمال.

{

(1) - … كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تعتقد». وانظر أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص221.

٩٨٤ / ١٬٥٨٨