سورة الفرقان
الجزء ٣ · صفحة ١٧١ثُمَّ قَبَضنَاه إلينا} أي: أنزلنا بإيقاع الشعاع فيِ مَعنَى موقعه لمَّا عبَّر عَن إحداثه بالمدِّ، بمعنى: التسيير، عبَّر عَن إزالته بالقبض إِلىَ نفسه، الذِي هُوَ فيِ مَعنَى الكفِّ، ﴿قَبضًا يَسيرا (46)﴾ قليلا قليلا حسب مَا ترتفع الشمس، لتنتظم بذلك مَصالح الكون، ويتحصَّل بِهِ مَا لاَ يُحصى مِن منافع الخلق. و «ثمَّ» في الموضعين لتفاضل الأمور، أو لتفاضل مبادئ أوقات ظهورها؛ وقيل: مدَّ الظلَّ لمَّا بنى السَّمَاء، ودَحَى الأَرْض تَحتها فالتفت عليها ظلّها (1)، ولو شاء لَجعله ثابتا عَلَى تلك الحال، ثُمَّ خَلَق الشمس عليه دليلا أي: مُسلَّطا عليه، مُستتبعا إيَّاه كما يستتبع الدليل المدلول؛ أو دليلُ الطَّريقِ (2) مَن يهديه، فإنَّه يَتَفاوت بِحركتها، ويتحوَّل بتحوُّلها، ﴿ثُمَّ قبضناه إلينا قبضا يسيرا﴾: شَيْئًا فشَيْئًا، إِلىَ أن ينتهى إِلىَ غاية نقصانه؛ أو قَبْضا سهلا عند قيام الساعة، بقبض أسبابه مِنَ الأجرام المظلَّة، والمظَلِّ عليها. وقيل: مَعنَى ﴿ثُمَّ قبضناه إلينا قبضا يسيرا﴾ بالشمس التِي تأتي عليه. والقبض: جَمع المنبسط مِنَ الشيء؛ وَمَعنَاه: أنَّ الظلَّ يَعمُّ جميع قبل الشمس؛ فإذا طلعت الشمس فَيُقِلُّ الله الظلَّ جزءً جزءً. ﴿قَبْضًا يسيرا﴾ أي: خَفيًّا.
{
(1) - … كذا في الأصل، وصواب العبارة عند أبي السعود: «وقيل: إنَّ الله تعالى لَمَّا بنى السماء كالقبَّة المضروبة، ودحا الأرض تحتها، ألقت القبَّة ظلَّها عَلَى الأرض لعدم النيِّر». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص223. وانظر نحو هَذِهِ العبارة: الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 223.
(2) - … كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «دليلٌ لِطَريقِ».