التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الفرقان

الجزء ٣ · صفحة ١٧٥

ولو شِئنا لبعثنا فيِ كُلِّ قريةٍ نَّذيرا (51)} نَبِيًّا يُنذر أهلها، فتخفُّ عليك أعباء النبوَّة؛ ولكن قَصرنا الأمر عليك إجلالا لك، وتعظيما لشأنك، وتفضيلا لك عَلَى سائر الرسل؛ فقابِلْ ذَلِكَ بالثبات والاجتهاد فيِ الدعوة وإظهار الحقِّ؛ أو لاجتهاد النَّاس الذِينَ لم يشاهدوا الرسول ليَتَعَاظم الأجر لَهُم، لأَنَّهُ ليس الخبر كالمشاهدة. ﴿فلا تُطِع الْكَافِرِينَ﴾ فيما يريدونك؛ وَهُوَ تهييج لَهُ وللمؤمنين، ﴿وجَاهِدْهُم بِهِ﴾ بالقرآن؛ وَالمَعنَى: أنَّهم مُجتهدون فيِ إبطال حقِّك، فقاتلهم بالاجتهاد فيِ مُخالفتهم، وإزاحة باطلهم اجتهادا، ﴿جِهَادا كبيرا (52)﴾ لأَنَّ مُجاهدة السفَهاء بالحجج، أكثر مِن مُجاهدة الأعداء بالسيف؛ أو ينضمُّ إِلَيْهِما جهادُ النفس، ليعمَّ كُلَّ جهاد.

﴿وَهُوَ الذِي مَرَجَ البَحرَيْن﴾ خَلاَّهما مُتجاورين متلاصقين، بحيث لاَ يتمازجان؛ مِن مَرَجَ دابَّته: إِذَا خلاَّها، ﴿هَذَا عَذبٌ فُراتٌ﴾ قاطع [410] للعطش مِن فرط عذوبته، ﴿وهذا مِلح أُجَاج﴾ بليغ الملوحة، ﴿وجعل بينهما بَرزَخا﴾ حاجزا مِن قدرته، ﴿وحِجْرا مَحجورا (53)﴾ تنافرا بليغا، كأنَّ كلاًّ منهما يقول للآخر مَا يقوله المتعوَّذ مِنْهُ؛ وقيل: حدًّا مَحدودا، وذلك كدجلة تَدخل البحر فتشقُّه، فتجري فيِ خلاله فراسخ لاَ يتغيَّر طعمها؛ وقيل: المُرَاد بالبحر العذبِ: النهر العظيم، مثل: النيل، وبالبحر الملح: البحر الكبير؛ وبالبرزخ: مَا يحول بينهما مِنَ الأَرْض، فتكون القدرة فيِ الفصل، واختلاف الصِّفة، مَعَ أنَّ مُقتضى طبيعة إجراء كُلِّ عنصرات (1) تضامَّت وتلاصقت وتشابهت فيِ الكيفيَّة.

{

(1) - … كذا في الأصل، والصواب ما ذكره أبو السعود: «مَعَ أنَّ مُقتضى طبيعة كُلِّ عنصر التضامُّ والتلاصق والتشابه فيِ الكيفيَّة».

٩٩٠ / ١٬٥٨٨