سورة الفرقان
الجزء ٣ · صفحة ١٧٦وَهُوَ الذِي خَلَق مِنَ الماء بَشرا، فجعله نَسَبا وصهرا} أي: قسَّمه قسمين، ذوي نسب، أي: ذكورا ينتسب إِلَيْهِم، وذوات صهر، أي: إناثا يصاهر بهنَّ، كقوله: ﴿فجعل منه الزوجين الذكرَ والأنثى﴾ (1)؛ وقيل: النسب مَن لاَ يَحلُّ نكاحه، والصهر ما يحلُّ نكاحه، ﴿وكَانَ رَبُّكَ قديرا (54)﴾ حيث خلق مِنَ مادَّة وَاحِدَة بشرا ذا أعضاء مختلفة، وطباع متباعدة، وجعله قسمين متماثلين؛ وربَّما يَخلق من نطفة وَاحِدَة توأمين ذكرا وأنثى.
﴿ويعبدون مِن دون الله مَا لاَ ينفعهم وَلاَ يضرُّهم﴾ يعني: الأصنام؛ وَهُوَ يعمُّ كلَّ مَا عُبِد مِن دون الله، إذ مَا من مَخلوق يستقلُّ بالنفع والضرِّ، ﴿وكَانَ الكافرُ عَلَى رَبِّه ظهيرا (55)﴾ يظاهر الشيطان بالعداوة والشرك؛ وَالمُرَاد بالكافر: الجنس، مُعِينا للشيطان عَلَى معصية الله.
﴿وَمَا أرسلناك إِلاَّ مبشِّرا ونذيرا (56)﴾ للمؤمنين والْكَافِرِينَ. ﴿قل: مَا أَسأَلكم عليه﴾ عَلَى التبليغ الذِي يَدلُّ عليه: «إِلاَّ مُبشِّرا ونذيرا»، ﴿مِن أجر إِلاَّ مَن شاء﴾ إِلاَّ فِعل مَن يَشَاء ﴿أن يتَّخذ إِلىَ رَبِّه سبيلا (57)﴾ أن يتقرَّب إِلَيْهِ، ويطلب الزلفى عنده بالإيمان والطَّاعة؛ فصوَّر ذَلِكَ بصورة الأجر مِن حيث أنَّه مقصود فعله؛ وقيل: الاستثناء منقطع، معناه: لكن مَن شاء أن يتَّخذ إِلىَ رَبِّه سبيلا فليفعل.
﴿وتوكَّل عَلَى الحيِّ الذِي لاَ يَموت﴾ فيِ استكفاء شرورهم، والإغناء عَن أجورهم، فإنَّه الحقيق بأن يُتَوَكَّل عليه، دون الأحياء الذِينَ يموتون، فَإنَّهُم إِذَا ماتوا ضاع مَن توكَّل عَلَيْهِم، ﴿وسبِّح بِحمده﴾ ونزِّهه عَن صفاتِ النقصان مُثنِيا عليه بأوصاف الكمال، طالبا لمزيد الإنعام بالشكر عَلَى سوابغه، ﴿وكفى بِهِ بذنوب عِبادِه﴾ ما ظَهَر منها وَمَا بطن، ﴿خبيرا (58)﴾ مطَّلعا؛ فما عليك إن آمنوا أو كَفَرُوا.
{
(1) - … سورة القيامة: 39. في الأصل: «وجعل … »، وهو خطأ.