سورة الفرقان
الجزء ٣ · صفحة ١٧٨تبارك الذِي جَعَل فيِ السَّمَاء بُروجا} يعني: البروج (لَعَلَّهُ) الإثنا عشر؛ سُمِّيت بِهِ، وهي القصور العالية، لأَنَّهَا للكواكب السائرة السيَّارة، كالمنازل لسكَّانها، واشتقاقها مِنَ البرج: وَهُوَ الظهور. ﴿وجعل فِيهَا سِراجا وقمرا منيرا (61) وَهُوَ الذِي جعل الليل والنهار خِلْفَة﴾ أي: ذوي خلفة يَخلف كلٌّ منهما الآخر، بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فِيهِ؛ أو بأن يعتقبا، لقوله: ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ (1). ﴿لِمَن أَرَادَ أن يذَّكر﴾ أن يتذكَّر آلاء الله، ويتفكَّر فيِ صنعه، فيعلم أنَّه لاَ بُدَّ لَهُ من صانع حكيم، واجب الذَّات، رحيم عَلَى العباد، ﴿أو أَرَادَ شُكُورا (62)﴾ أن يشكر الله تعالى عَلَى مَا فِيهِ مِنَ النعم؛ أو ليكونا وقتين للذاكرين والشاكرين، من فاته وِردُه فيِ أحدهما تَدَاركه فيِ الآخر.
﴿وعِبَادُ الرحمن الذِينَ يَمشون عَلَى الأَرْض﴾ وإضافتهم إِلىَ الرحمن للتخصيص والتفضيل؛ أو لأَنَّهُم الرَّاسخون فيِ عبادته، ﴿هونا﴾ هيِّنين؛ أو مشيًا هيِّنًا؛ والمَعنَى: أنَّهم يَمشون سكينة وتواضعا عَلَى هيأتهم لاَ يسرعون، وذلك مِنَ الأخلاق الحسنة، وَهُوَ من أخلاق الصَّالحين، ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون، قَالُوا: سلاما (63)﴾ تسليما لكم ومباركة لَهُم؛ لاَ خير بيننا وبينكم وَلاَ شرَّ؛ أو سَدادا مِنَ القول تَسلَمون فِيهِ مِنَ الإيذاء والإثم، وَلاَ تنافية آية القتال لتنسخه؛ فإِنَّ المُرَاد بِهِ هُوَ: الإغضاء عَن السفهاء، وترك مقابلتهم فيِ الكلام بِمَا لاَ ينفع، اشتغالا عَمَّا ينفع.
{
(1) - … سورة البقرة: 164؛ وسورة آل عمران: 160؛ وسورة الجاثية: 5.