سورة الفرقان
الجزء ٣ · صفحة ١٧٩وَالذِينَ يَبِيتون لِرَبِّهِمْ سُجَّدا وقياما (64)} فيِ الصلاة؛ وتخصيص البيتوتة لأَنَّ العبادة بالليل أضمن، وأبعد مِنَ الرياء؛ وقيل: مَن صلَّى ركعتين بالليل، عمَّه تأويل هَذِهِ الآيَة. قَالَ أبو سعيد: «التأويل فيما يقال فيِ هَذِهِ الآيَة: القيام آخر الليل؛ قَالَ: ويقال: إنَّ مَن صلَّى ركعتين لحقتة الآيَة». وَاللهُ أعلم بذلك.
﴿وَالذِينَ يقولون: رَبَّنَا اصرِف عَنَّا عذابَ جَهَنَّم إنَّ عَذابها كَانَ غَراما (65)﴾ [412] مُلازما؛ ومنه الغريم، لملازمته؛ وَهُوَ إيذان بأنَّهم مَعَ حسن مُخالقتهم مَعَ الخلق واجتهادهم فيِ عبادة الحقِّ، وَجِلُون مِنَ العذاب، مبتهلون إِلىَ الله فيِ صرفه عَنْهُم، لعدم اعتدادهم بأعمالهم، ووثوقهم عَلَى استمرار أحوالهم؛ قيل: الغريم: الشرُّ الدائم، والعذاب والهلاك. ﴿إِنَّهَا ساءت مُستقرًّا ومُقَاما (66)﴾ أي: بئسَت مُستقرًّا ومقامَةً.
﴿وَالذِينَ إِذَا أَنفقوا لَم يُسرفوا﴾ لم يجاوِزوا حدَّ الكرَمِ، ﴿ولم يَقتُرُوا﴾ ولم يُضيِّقوا تضييق الشَّحيح؛ وقيل: الإسراف: هو الإنفاق فيِ المحارم، والتَّقتِير: منع الواجب. (لَعَلَّهُ) ويروى عَن أُبيٍّ: «سبَّب فيِ هَذِهِ الآيَة أولئك أصحاب محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، كَانُوا لاَ يأكلون طعَامًا للتَّنعُّم واللذَّة، وَلاَ يلبسون ثوبا للجمال، ولكن كَانُوا يريدون مِنَ الطعام مَا يَسُدُّ عَنْهُم الجوع، ويقوِّيهم عَلَى عبادة الله؛ ومن الثيَاب مَا يستر عوراتهم وَمَا يُكنُّهم مِنَ الحرِّ والبرد». ﴿وكَانَ بين ذَلِكَ قَوَاما (67)﴾ وسطا وعدلا سُمِّي به لاستقامة الطرفين، كما سُمِّي «سويٌّ» (1) لاستوائهما؛ وقرئ: بالكسر، وَهُوَ مَا تُقام بِهِ الحاجة، لاَ فضل يفضل عنها، وَلاَ ينقص.
{
(1) - … ويمكن أن نقرأ: «سُوًى»، إشارة إِلى قوله تعالى: ﴿فاجعلْ بينَنا وبينَك مَوعِدًا لا نُخلِفُه نحن ولا أنتَ مَكانا سُوًى﴾. سورة طه: 58.