بهجة الأنوار (تحقيق ناصر السيابي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الفصل الأول: في الموت والبعث والحساب

الجزء ١ · صفحة ١٢٩

أما الخائضون في بيان الروح فقالوا: أنه (تعالى) لم يُمت نبيه إلا وقد أطلعه على حقيقة الروح، وأما قوله: (قل الروح من أمر ربي) فذلك لموافقة ما في التوراة ليكون موافقتها علماً على نبوته، وذلك أن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاث، وقالوا: إن أجاب عنها كلها فليس بنبي، وإن سكت عنها كلها فليس بنبي، وإن أجاب عن بعضها وسكت عن بعض فهو نبي، وتلك الثلاث هي: (الروح، وأصحاب الكهف، وذو القرنين) فأفتاه ربه في أصحاب الكهف، وذي القرنين، وأمره في الروح بقوله: (قل الروح من أمر ربي) وكان في التوراة أن الروح من أمر الله، فطابق جوابه ما في كتابهم(13 ).

قالوا: فالأمر بالوقوف عن الخوض في الروح إنما هو لهذا العارض، لا لأن العلم بالروح مما لم يطلع الله(14 ) عليه أحداً.

قلنا: بعد تسليم لما قلتموه لا يطلع على حقيقة الروح إلا بتوقيف من الشارع، ولم يرد التوقيف، فالإطلاع متعذر، فالكف عن الخوض فيها أولى وأحق.

اعلم أن الله (تبارك وتعالى) قد وقّت الآجال وحدد الأعمار، فلا يموت أحد قبل انقضاء عمره، وقبل استيفاء أجله قال (تعالى): (لكل أجل كتاب)(15 )، وقال (تعالى): (فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)( 16) سواء كان هذا الميت ميتاً حتف أنفه أو مقتولاً، وذهبت المعتزلة إلى أن المقتول ميت في غير أجله، وقبل انقضاء عمره، وأنه لو لم يقتل لعاش إلى الوقت الذي حدد له، وهو مذهب فاسد، بيّنا بطلانه في غير هذا الكتاب(17 ).

١٢٩ / ٢٣٦