بهجة الأنوار (تحقيق ناصر السيابي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الفصل الأول: في الموت والبعث والحساب

الجزء ١ · صفحة ١٣٣

ومن الروايات الدال ظاهرها على ما قلته ما أخرجه الترمذي وصححه »لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه«(28 ) وما أخرجه البزار: »يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان في ذنوبه، وديوان فيه النعم من الله عليه، فيقول الله تبارك وتعالى لأصغر نعمة: (احسبه، قال: في ديوان النعم) خذي ثمنك من عمله الصالح، فتستوعب عمله الصالح، ثم تنتحي وتقول(29 ): وعزتك ما استوفيت، وتبقى الذنوب والنعم وقد ذهب العمل الصالح، فإذا أراد الله أن يرحم عبداً، قال: يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك، وتجاوزت عن سيئاتك، (احسبه، قال: ووهبت لك نعمي)« ( 30) وغير هذا من الأحاديث كثير، فلا نطيل بإيراده هاهنا لأن المقام إنما هو مقام اختصار، والله أعلم.

أي خص بالحساب صنفان من الناس؛ أحدهما المؤمن المقصر التائب من ذنبه، وثانيهما: الفاسق العاصي، والحكمة في حساب المؤمن المقصر هي أن يعلم نعمة الله عليه بغفران( 31) ذنوبه وستر عيوبه، والحكمة في حساب الفاسق هي ازدياد حسراته، وتضعيف تنكيله بالتأسف على إضاعة عمله، فإنه متى ما رأى العمل الموجب للغفران محبوطاً بعمل صَدَرَ منه ازداد حسرة وندامة، ومن الحكمة في هذا أيضاً إظهار إنصاف الله (تعالى) لخلقه، فإنه لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، وما عدا هذين الصنفين فهم إما في الجنة بلا حساب وهم المؤمنون الموفون، وإما في النار بلا حساب وهم المشركون.

١٣٣ / ٢٣٦