شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

مقدمة الكتاب

الجزء ١ · صفحة ٦

( وَالشُّكْرُ ) فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ بِسَبَبِ إنْعَامِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ ذِكْرًا بِاللِّسَانِ ، أَمْ اعْتِقَادًا بِالْجِنَانِ ، أَمْ عَمَلًا بِالْأَرْكَانِ .

( لَهُ عَلَى مَا أَوْلَانَا ) هـ جَعَلْنَا تَالِينَ لَهُ أَوْ جَعَلَهُ تَالِيًا لَنَا ، أَيْ قَرَّبَهُ إلَيْنَا وَأَعْطَانَاهُ ( مِنْ الْفَضْلِ ) الْخَيْرُ الْعَظِيمُ ، ( وَالْكَرَمِ ) الْعَطَاءُ بِدُونِ أَنْ نَكُونَ لَهُ مُسْتَحَقِّينَ ، وَقِيلَ : الْكَرَمُ الْإِنْعَامُ بِالنَّوَالِ قَبْلَ السُّؤَالِ ، وَقِيلَ : الْحِلْمُ عَلَى جَهْلِ الْعِبَادِ فَلَا يُعَجِّلُ بِالْعُقُوبَةِ ، وَقِيلَ : عُمُومُ الْعَطَاءِ لِخَلْقِهِ بِلَا سَبَبٍ مِنْهُمْ ، وَقِيلَ : إعْطَاءُ مَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَنْبَغِي عَلَى وَجْهٍ يَنْبَغِي لَا لِعِلَّةٍ وَلَا غَرَضٍ ، وَلَا يُقَالُ : اللَّهُ سَخِيٌّ لِعَدَمِ وُرُودِ هَذَا الِاسْمِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى ، قِيلَ : وَلِاسْتِدْعَائِهِ سَبْقَ الْبُخْلِ ، ( لَا أُحْصِي ) لَا أَسْتَطِيعُ ( ثَنَاءً ) بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِينِ أَيْ ذِكْرًا بِالْجَمِيلِ عَظِيمًا وَافِيًا بِحَقِّهِ ، وَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ السِّيَاقِ وَالتَّنْكِيرِ ، وَلَا يُطْلَقُ الثَّنَاءُ عَلَى الذِّكْرِ بِالْقَبِيحِ أَوْ عَلَى الْفِعْلِ إلَّا مَجَازًا عَلَى الصَّحِيحِ ، ( عَلَيْهِ ) أَيْ عَلَى اللَّهِ ، ( هُوَ ) مُبْتَدَأٌ عَائِدٌ إلَى اللَّهِ وَخَبَرُهُ ( كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ ) أَيْ ذَاتِهِ ، أَوْ هُوَ عَائِدٌ إلَى ثَنَاءً ، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ نَعْتًا لِثَنَاءٍ عَلَى هَذَا ، وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى حَدِيثٍ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ﴾ .

رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ﴾ وَهَذَا اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ عَنْ بُلُوغِ حَقِيقَةِ الثَّنَاءِ وَالْإِتْيَانِ بِهِ كَامِلًا إذْ لَا نِهَايَةَ لِعَظَمَةِ صِفَاتِهِ ، فَلَا يَصِفُ اللَّهَ عَلَى الْكَمَالِ

٦ / ١٧٬٤٣٨