كتاب الملتقى الدولي الثاني للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش كمال بابكر

4 قراءة في بعض قيم وأبعاد القصيدة الحجازية

الجزء ١ · صفحة ٢١

وحب العلم منذ صغره (2) ويمتاز القطب امحمد بن يوسف بأنه عالم ومعلم ومتعلم، بالإضافة إلى نبوغه الفريد وهمّته العالية فقد نظّم كتاب مغني اللبيب لابن هشام في خمسة آلاف بيت وهو في سن السادسة عشر من عمره (3) وهو بذلك مجتهد من أكابر العلماء بالفقه والأدب واللغة والتفسير، ومن رجال النهضة الإصلاحية الحديثة بالجزائر (4).

للقطب منهج في التدريس يعتمد على استغلال الوقت والتركيز على التلقين، فقد تستمر دروسه طيلة أيام الأسبوع من الضحى إلى الزوال إلا يوم الجمعة، ثم يزيد دروسا في المساء بعد العصر، ولا يدرّس في الليل إلا للغرباء والنجباء والمتفوقين لأنه كان يخصص الليل للتأليف والإجابة عن الرسائل والاستفتاءات المتهاطلة عليه. كان غزير المادة، طويل النفس، متفانيا في العلم، يدرّس أحيانا أحد عشر درسا مختلفا في اليوم (5)، وقد شملت مؤلفاته الأخلاق والأصول والبلاغة والتفسير والحديث والحساب والفقه والتاريخ والمراسلات (6)، ولا يفوتنا هنا أن ننوه بمكانته العلمية ليس على المستوى المحلي (الجزائر) بل على مستوى العالم الإسلامي؛ فقد أهداه السلطان العثماني عبد الحميد الثاني نيشانا عندما حلّ لغز الماء، وكرّمه رجال الأكاديمية الفرنسية بوسام الاستحقاق ( le palm académique) ناهيك عن مراسلاته مع سلطان زنجبار (برغش) الذي منحه منحة شهرية (7) عرفانا بمكانته العلمية والدينية، لقد تخرّج على يديه معظم رواد الحركة الإصلاحية في ميزاب وتونس وليبيا وعمان (8) وعلى رأي الأستاذ الباحث أبو القاسم سعد الله فإنّ شيخا بلغ ما بلغه محمد بن يوسف لا يمكن إلا أن يكون له كثير من الأتباع … إنه داعية سلفي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في وقت ساد فيه الجهل بدعم رسمي من الاحتلال الفرنسي (9).

إن قوة العزيمة والعصامية التي امتاز بها الشيخ القطب جعلته بالفعل عالما موسوعيا، لقد استطاع بجده وعزيمته وشغفه بالعلم أن يملك من الكتب النفيسة في أعماق الصحراء، في وقت الفتن وصعوبة المواصلات، وقلة المطابع ما لم يملكه أغلب العلماء الجامعيين اليوم (10).

وهكذا وبعد عطاء كبير عادت روح الشيخ القطب إلى بارئها ووافاه الأجل في مسقط رأسه وعمره ستة وتسعون عاما (11) وذلك يوم 23 ربيع الثاني سنة 1332هـ/1914م (12).

١٩ / ٦١٩