15 منهج الشيخ اطفيش في التفسير
الجزء ١ · صفحة ٢٢٣وأزيد هنا بأن هذا العالم كان له دور كبير في النضال ضد الفرنسيين، وأذكر هنا واقعة لم يسجلها له من ترجم لها، وتداولها الناس مشافهة تخليدا لمواقفه من الاستعمار: ذكر لي الشيخ الفاضل الحاج صالح البليدي مما تعطينا صورة عن الشيخ اطفيش-قدس الله سره- ومدى تمسكه بدينه، فقد وقف موقفا مخالفا لمن عقد الصلح مع الاستعمار، وقيل: له إن الاستعمار دخل الأغواط، وهو على مقربة منّا، وإذا دخل الأغواط فقد دخل غرداية، فبقي متمسكا برأيه-رحمه الله تعالى-، وهنا وقعت حكاية طريفة تبيّن لنا شخصية الشيخ اطفيش الإسلامية، وعقيدته المتينة التي لا تؤكل من الأطراف: حدث أن زاره أحد الحكام الفرنسيين في بيته، فأمر بإحضار كرسي لهذا الضيف، وجلس هو بأعلى الدرج، فلما جاء هذا الحاكم أراد أن يخلع نعله، فقال له: لا تفعل وتستطيع أن تمشي بنعليك، فلما سئل عن ذلك بعد انصراف الضيف، أجاب-رحمه الله تعالى-: «أما جلوسي بأعلى درج فذلك؛ لأني أحمل القرآن الكريم في صدري والقرآن كلام الله لا ينبغي أن أجلس في مستوى هذا الكافر، أما تركه يمشي على الفراش بحذائه فإن حذاءه أطهر من جسده».
وقيل: لما أراد الحاكم الفرنسي أن يضع نيشانا على صدره قال: «ضعه في أسفل برنوسي»، وهي واقعة اشترك فيها عالم إباضي مع عالم مالكي، إذ أراد أحد القادة العسكريين الفرنسيين أن يضع نيشانا على صدر شيخ الزاوية العثمانية، (والد الشيخ عبد القادر العثماني) فقال له: «ضعه في أسفل برنوسي، وذلك لأني أحمل القرآن الكريم على صدري».
وكانت للشيخ حظوة لدى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني ممن يجله ويحترمه، وكذا سلاطين عمان في تلك الفترة، وتوفي سنة 1332هـ وله من المؤلفات ما يشار إليه بالبنان عند الإباضية كـ"شرح النيل" في الفقه المقارن طبع في 17ج، "وهيميان الزاد" في التفسير، و"تيسير التفسير" في التفسير.
وهذان تفسيران هما موضوع مداخلتي المتواضعة، وقبل ذلك أقول بكلّ صدق: إني لأستحي من نفسي أن أتحدث عن هذا الرجل العظيم، الذي نشأ محبا للعلم وزاحم العلماء