17 جهود العلامة اطفيش في التفسير البلاغي للقرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٢٦٢لطرقها، وإدراكي لها، ولا كلام يفوقه، ولا يقرب من مساواته»(1).
فاحتمال المساواة والمماثلة بين كلام الله المعجز، وسائر الكلام مهما بلغ من البلاغة، والفصاحة، هو احتمال ساقط؛ ويضيف: «بلاغة القرآن لا تطاق، وقد أدركت منها كثيرا بقدر طاقة المخلوق والحمد لله، وبعضها تتنور في قلبي، ويعجز لساني عن بيانها إلا بإطالة الكلام»(2)، فبلاغة القرآن بقدر ما تستعصي على المثل، تستعصي على الشرح والتفسير، إلا في حدود توفيق الله ورضاه، كما يحيلنا الشيخ الجليل على أسلوبه في كتابة التفسير، ذلك أنه يسترسل في الكلام على كلام الله طلبا لاستيعاب المعاني.
1. تفسير المعاني:
إن علم المعاني يعرف به أحوال اللفظ العربي في مطابقته مقتضى الحال لأداء غرض بلاغي يفهم من السياق بما يشتمل عليه من قرائن(3)، فهو بإجماع أهل الاختصاص دال على جميع الأحوال والسياقات التي يأتي عليها اللفظ في مطابقته ما يقتضيه الحال؛ وهو فرع من فروع البلاغة يتناول الجملة من حيث ترجمتها للمعنى المقصود، ودلالتها عليه.
ومن المسائل التي عرضها "اطفيش" في تفسيره لمعاني القرآن الكريم؛ اللفظ في مطابقته اقتضاء الحال، وما يلحقه من مراتب كالالتفات والعدول من أسلوب معين في الكلام إلى آخر يتجاوزه، ويخرج عنه، بالإضافة إلى الحذف والذكر، وصيغ التقديم والتأخير، والقصر بتخصيص أمر في نحو مخصوص، بالنظر إلى طرفاه، ومن حيث حقيقته؛ فكيف كاشف شيخنا هذه المسائل؟
وتخير اللفظ من أسمى المراتب في الإعجاز؛ إذ يترتب عليه إعجاز النظم والتركيب؛ حيث يقوم أسلوب القرآن على انتقاء اللفظ، ووضعه الموضع المناسب، وقد فسّره شيخنا موضحا ما اتصل به من سمو التعبير، وحسن الاختيار، وبلاغة الإعجاز، قال تعالى: ﴿فَتَرَى الذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُّسَارِعُونَ فِيهمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَّاتِيَ بِالفَتْحِ أَوَ اَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُّواْ فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: 52]؛ وقد «قال فيهم دون إليهم؛ لأنهم استقروا في الموالاة، وإنما يسارعون من كفر
(1) - م. س، تيسير التفسير،5/ 260.
(2) - م. ن، 11/ 71.
(3) - ينظر: الخطيب القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع، ط1، منشورات محمد علي بيضون انشر كتب السنة والجماعة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 2003، ص 4.