17 جهود العلامة اطفيش في التفسير البلاغي للقرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٢٦٣إلى كفر»(1).
ومن الإبانة في نظم القرآن الكريم التعبير بالماضي عن المستقبل للدلالة على التحقيق؛ قال تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذاَ يَومَ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا رَّضِي اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَالِكَ الفَوزُ العَظِيمُ﴾ [المائدة: 119]، «وجاء قول الله في الماضي لتحقيق الوقوع»(2)؛ بمعنى أن جزاء هؤلاء واقع؛ ومتحقق لا محالة؛ وكأنه من متعلقات الماضي، وليس المستقبل مما يحتمل وقوعه.
وتخير اللفظ ينسحب على القرآن الكريم جله، من أوله إلى آخره؛ كون كتاب الله معجز في نظمه، ومعانيه، انطلاقا من وضعه المناسب الدقيق للفظ.
في مقام العدول والالتفات؛ بمعنى الخروج عن المألوف بأسلوب الكلام إلى أسلوب آخر يخالفه، ويتميز عنه، وقد تمت معالجة معنى الالتفات في فترة متقدمة من تاريخ البلاغة العربية تحت مصطلح المجاز(3) وقد اجتهد العلماء كثيرا في تحديد هذه المسألة، حيث عمدوا إلى وضع قوانينها، وضبط وجوهها(4)؛ ومنهم شيخنا في إشارة إلى العديد من الوجوه في مواضع متفرقة من تفسيره؛ قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]؛ وقد فسّره بالقول: «ومقتضى الظاهر إياه نعبد، وإياه نستعين، ليهدنا بلام الدعاء، أنعم عليهم بصيغ الغيبة؛ مثل ما قبله إلا أنه لما أتى بالأوصاف كاملة من كمال الرحمة، والمشاهدة، وصفات الجلال المحمود عليها، وقدرته الكاملة بتدرج الأفهام في ذلك على وجه الغيبة، وقوى برهان ذلك، صار الغيب مشاهدا يتكلم معه بصيغ الخطاب، وفي صيغة الخطاب تلذذ»(5)؛ وفي ذلك تجسيد لأحسن الصور، وأبلغها إدراكا؛ حيث يحل الغيبي محل الحاضر المدرك، وحجة هذا الحلول الإيمان المطلق بوجود الله، وحضوره الماثل في الوعي؛ لذا نخاطبه بصيغة الأسلوب المباشر.
وفي مقام التقديم والتأخير؛ الأصل في الجمل ترتيب العناصر على نحو مخصوص؛ فالفعل يتقدم الفاعل، والمفعول، والمكملات من نعت، وحال، وتمييز وغيرها في الجمل الفعلية، في حين يتقدم المبتدأ على الخبر، والعناصر المكملة في الجملة الإسمية، والخروج عن هذا الترتيب إنما يؤتى به لأداء أغراض بلاغية نحو الاهتمام المتقدم، ولفت الانتباه إليه.
(1) - م. س، تيسير التفسير، ط2، مطبعة البابي الحلبي، مصر، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، عمان، الأردن، 1982 – 1987، 3/ 16.
(2) - ينظر: م. س، تيسير التفسير، 3/ 226.
(3) - جسن طبل، أسلوب الالتفات في البلاغة القرآنية، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، 1998، ص 16.
(4) - ينظر: م. س، البرهان الزركشي 3/ 314، والسيوطي، الإتقان في علوم القرآن، مكتبة الثقافة، بيروت، لبنان، 1973، 2/ 85 والزمخشري محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، رتبه مصطفى حسين أحمد، دار الكتاب العربي، 1986، 1/ 64.
(5) - م. س، تيسير التفسير،1/ 11.