كتاب الملتقى الدولي الثاني للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش كمال بابكر

17 جهود العلامة اطفيش في التفسير البلاغي للقرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٢٧٢

جناس مماثل، ولو اختلفا إعرابا، وتعريفا، وتنكيرا، ولو اتحد مدلولهما في الأصل؛ وهو المدة الزمانية؛ لاختلافهما في القصد»(1)؛ فهو يقدم الاختلاف في القصد على سائر أشكال الاختلاف بين اللفظين. وقد يجتمع عدد من المحسنات في السياق القرآني ذاته؛ قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالاَعْمَى وَالاَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً اَفَلاَ تَذَّكَّرُونَ﴾ [هود: 24]، وقال شيخنا مفسرا: «صفتهم الشبيهة بالمثل في الغرابة والعجب؛ كمثل الأعمى والأصم، والكافرون كالأعمى وكالأصم، والمؤمنون كالسميع، كل فريق شبّه باثنين فذلك أربع تشبيهات»(2)، وفي الآية «جمع بين متقابلين بالتضاد إذ جمع بين الأعمى والبصير، وجمع بين الأصم والسميع، وفيها مقابلة؛ وهي يؤتى بمعنيين متوافقين وأكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب، وهو داخل في الطباق، وأخص منه، وفيها تشبيه مركب»(3).

وخلاصة القول أن شيخنا الجليل "اطفيش" قد اجتهد في شرحه، وتفسيره للقرآن الكريم من مدخل الدرس البلاغي؛ أما عن منهجه في ذلك فقد عمد إلى تحليل الصور البيانية مع إيراد الأمثلة على سبيل الاستعمال العام، تحليلا يتحرى الشرح، والتفسير العقلي، مع إقامة الحجة، والبرهان، في سياق مكاشفته العديد من المباحث البلاغية؛ في المعاني، والبيان، والبديع، فكانت رؤيته التفسيرية لكتاب الله سبحانه شاملة في كشف دقائق إعجازه البلاغي، فضلا عن كونها جزئية تُعنى بالحرف، واللفظ، والتركيب؛ حيث بحث في علة توظيف حرف دون آخر، ومعاني الأحرف في ما اقتضته من مواضع، وفي بلاغة الكلمة في الاختيار، وأسرار التعبير بصيغة الماضي في مقام الإحالة على المستقبل للدلالة على تحقق الأمر.

هكذا كان شيخنا يحدد صور الإعجاز القرآني في مواضع كثيرة من تفسيره، مع التمثيل، والتحليل، والتعليل، ومكاشفة المعاني الحقيقية للاستعمال اللغوي، وخروجه عنها إلى معاني مجازية؛ لأداء أغراض بلاغية أخرى.

(1) - م. س، تيسير التفسير، 10/ 110

(2) - م. س، تيسير التفسير، 2/ 58.

(3) - م. ن، 5/ 393.

٢٥١ / ٦١٩