17 جهود العلامة اطفيش في التفسير البلاغي للقرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٢٧١نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 84]؛ وقال شيخنا مفسرا ذلك: «لا كإيمان أهل الكتاب ببعض، وكفرهم ببعض … فالآية تعريض بهم»(1)؛ لشكهم، وضعف إيمانهم، استحقوا من الله - عز وجل - هذا التعريض.
3. تفسير البديع:
والبديع علم تعرف به المزايا التي تزيد الكلام حسنا، وطلاوة، وتكسوه بهاء ورونقا بعد مطابقته مقتضى الحال(2)، وقد طرق شيخنا الجليل باب البديع في تفسيره؛ وبه تعرف وجوه استحسان الكلام، وأسرار وقعها في النفس الموقع الذي تستلطفه وترضاه، لما تضفيه من رونق وجمال، يتجاوز مطابقة مقتضى الحال، وقد حدد مراتبه من جناس في تشابه لفظين في النطق على وجهي التمام أو النقصان، مع اختلافهما في المعنى، والمقابلة بين معنيين متوافقين وما يقابلهما، أو أكثر من ذلك، وهو من صور الطباق، وأخص منه؛ لقيامه على التقابل المركب.
ومن صور البديع المشاكلة؛ «وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته»(3)، قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمُ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتَ اَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: 73]، وقال الشيخ مفسرا: «ومعنى سيق زف كزف العروس، ولكن عبر سيق لمشاكلة سيق السابقة، ولا تتوهم الإهانة هنا؛ لأن كون السوق إلى الجنة يدفع توهم الإهانة، والإسراع إلى الجنة إكرام»(4).
والسوق بمعنى الأخذ السريع، وهو إلى الجنة على سبيل التعجيل بالجزاء؛ وإلى النار على سبيل التعجيل بالعقاب، والإكرام يسقط الإهانة؛ وفي هذه المشاكلة انتقاء للفظ، ووضعه الموضع الدال على بلاغة معناه.
أما الجناس؛ بمعنى تشابه لفظين في النطق مع اختلاف في المعنى؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَالِكَ كَانُوا يُوفَكُونَ﴾ [الروم: 55]؛ وقد حدد شيخنا موقع التحسين البديعي في هذه الآية بالقول: «بين الساعة وساعة
(1) - م. س، تيسير التفسير، 2/ 112.
(2) - م. س، السيد أحمد الهاشمي، ص 360.
(3) - م. ن، ص 375.
(4) - م. س، تيسير التفسير، 11/ 308.