كتاب الملتقى الدولي الثاني للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش كمال بابكر

23 الذات والآخر في تيسير التفسير

الجزء ١ · صفحة ٣٩

الاستعمار الفرنسيّ، وبسوء حال المسلمين، وبضرورة تجاوز ذلك واتّخاذ أسباب القوّة والمناعة.

وهو ما يؤكّد أن قراءة الشّيخ للفكر والتّاريخ والواقع، انطلاقًا من تفسير الكتاب العزيز، جعلتْ من "تيسير التّفسير" مصنّفًا ناطقًا بأنّ الكتابة في أيّ عصر وفي أيّ مجال معرفيّ لا تنفكّ عن البعد الزّمنيّ والتّاريخيّ، تفعل فيها روافد قريبة أو بعيدة فعْلَها، وتندمج في ذات الكاتب، فيخرجها بشكلٍ ما ليعبّر عن فكرة أو موقف أو تصوّر غير منفصل عن لحظة زمانيّة، أو حدَث، أو وضْع انطبع في ذهنه، أوْ عاينَه، أو عاشه وأثّر فيه.

بناءً على هذا المعْطى، تجلّت في الكتاب جدليةُ الذات والآخر، مُفصحة عن الزمنيّ والذاتيّ في فهم النصّ القرآنيّ، مما يمْنح عملَ المفسّر خصوصيّة فارقة.

1 - من الجماعة إلى الأمّة:

لقد كانت النّزعة الإباضيّة علامة مميّزة في التّعامل مع النّص القرآني، في "تيسير التفسير"، وهي تندرج في مسار معهود مألوف في تاريخ التّفسير الّذي يتّضح فيه بلا ريب أنّ المفسّر غير قادر على أن يحرّر جهده في فنّ مقاربة الآيات وصناعة قراءتها من سلطة المعتقد، وهو منساق لا شعوريّا أحيانا إلى أن يجعل القرآن ناطقا بأفهام الفقهاء والأصوليّين، مصمَّمًا على مقاس مقولاتهم ونظريّاتهم، ولا ندري أيكون معبّرًا عن إعجاز الوحْي أم عن عبقريّة هؤلاء؟! والمفسّر بهذا المنهج العلميّ المذهبيّ في الآن نفسه يعبّر تعبيرًا فصيحًا عن عمق النّص القرآني ورحابة دلالات لفظه العربيّ الثّريّ بما يمْحو فعلاً حدود التّأويل الاستنباط.

ولقد أكّد صاحب "تيسير التّفسير" على أنّ الإباضيّة كان لهم حظّ وافر في تنويع أفهام الكلمات والعبارات والأساليب القرآنيّة إلى جانب ما كان للمعتزلة والأشاعرة وغيرهم، بل كان للشّيخ نفسه نصيب في إغناء الفكر الإباضيّ بجملة من الأنظار والتّرجيحات والاختيارات استلهمها من تفسيره للقرآن وتأويله، وكان في عديد المواضع مُعينَا القارئ على رؤية شموليّة لمختلف الآراء في صلب المذهب وخارجه، مستفزّا إيّاه للتأمّل في الضّوابط العلميّة والدّوافع المذهبيّة في أعمال المفسّرين.

٣٦٨ / ٦١٩