كتاب الملتقى الدولي الثاني للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش كمال بابكر

28 نظرية الربا والنقود في فكر الشيخ اطفيش

الجزء ١ · صفحة ١٦٥

الحكم على رسالة الشيخ ينبغي استحضار الملابسات والظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فالشيخ كان حريصا على تطبيق أحكام الشريعة في المعاملات المالية، على ألا يضيق على الناس في تحريم ما أحل الله، أرى أن الشيخ حرر رسالته في عهد لم يتطور النظام النقدي بتعميمه واستخدامه على نطاق واسع، وأصبحت النقود الورقية هو الهواء الذي يتنفسه المنتج والمستهلك والمدخر والمستثمر، الأفراد والأمم والدول، مع ما يحمل من مآسي وتأثيراته على حياة الأمم والشعوب وأصبح هو المهين على الاقتصاد العالمي، لا يمكن لأي اقتصاد الفكاك منه، وكأني بالشيخ يتحسس خطورة الاعتماد على النقود الورقية والتخلي عن النقود الذهبية في المبادلات، فيدعو للتمسك بالأصل كما فعل قبله ابن عابدين في رسالته المسماة: "تنبيه الرقود في أحكام النقود". وكأنه ينبه الغافلين عن مخاطر النظام النقدي، وهو ما يتناغم مع الفكرة التي نادى بها بعض الاقتصاديين في العالم الإسلامي(1) وهو العودة إلى الدينار الذهبي، حفاظا على الأموال المسلمين التي يتلاعب النظام النقدي الجائر والذي يحول أموالنا إلى نقود رمزية وهمية، بخداع ومكر اليهود القائمين على هذه المؤسسات.

فلو جارينا الشيخ في أحكامه لقضينا على مشكل عويص في مبادلات العملات المختلفة في داخل البلد الواحد وخارجها، فمفهوم لهذه الأوراق أنها من العروض فلا يدخل ضمن الأحكام الربوية كما رأينا.

غير أني أرى ما ذهب إليه السائل هو الأصح والأصوب في الوقت الحاضر مع انتشار استعمال النقود الورقية وغيرها من النقود المساعدة ووسائل الدفع الأخرى، وأن الحكم عليها ينسحب عليها كل أحكام النقود الأصلية، مادام تنوبها في الثمنية والقيمة، وهو ما ذهب إليه الفقهاء المعاصرون أفرادا ومجمعات فقهية.

وأما قضية زكاة "الكارطة" فقد أصاب الشيخ كبد الحقيقة في تأكيده بوجوب الزكاة فيها، وإلا قضينا على ركن هام من أركان الزكاة في الوقت الحاضر، الذي أصبح فيه مظاهر الغنى لا تنحصر في النض والنعم والزرع، بل أغلب أموال الناس نقود سائلة بمختلف

(1) - أبرزهم المفكر الماليزي محمد مهاتير الذي دعا الدول الإسلامية لإنشاء عملة إسلامية موحدة تكون بالديار الذهبي

٤٦٥ / ٦١٩