كتاب الملتقى الدولي الثاني للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش كمال بابكر

34 الخطاب الإباضي الثائر على الهيمنة الاستعمارية الفرنسية

الجزء ١ · صفحة ٢٨٨

العصر، كما أنه يجب على أهل التوحيد مهما اختلفت توجهاتهم واقتناعاتهم المذهبية ألا يتنازعوا حتى لا يكون ذلك عونا لعدوهم عليهم، كما أن توحيد صف المسلمين خلف مصالحهم المشتركة هو أحد الأسس الجوهرية لتحرير البلاد والعباد من سلطة المستعمر الفرنسي.

وفي جواب قطب الأيمة في إحدى مراسلاته عن سؤال أحد المسلمين يدعو مرة أخرى إلى توحيد كلمة المسلمين ومؤازرة بعضهم البعض: «ولو كنتم يدًا واحدةً قوية لاستحسنت لكم مراقبة المشركين بإبطال خدعهم.»(1)، إذاً يمكن القول أن اطفيش كان يهدف إلى تشكيل علاقة وطيدة ما بين المسلمين باختلاف مذاهبهم، على أساس التسامح والحوار الذي يضمن القضاء على هيمنة المستعمر؛ فلهذا السبب يمكن اعتبار رأيه تشجيعا للسعي إلى توحيد المسلمين، كما أنه ينبغي لفت الانتباه إلى أن سلطة اطفيش الدينية كانت تريد تجاوز حدود الاختلاف الديني.

وأهم ما يلفت النظر في طرح اطفيش لأفكاره وشرحها هو عمقه التحليلي وجرأته النقدية التي أساسها تفكير عميق وواع لبعض القضايا، إذ يعتبر المسلمين ليسوا ضحايا فحسب وإنما هم من يتحمّلون مسؤولية واقعهم الاستعماري الذي يعانون منه، كما أن التأكيد على مفهوم "أهل التوحيد" هو كذلك محاولةٌ لخلق الشعور بالانتماء إلى الأمة الإسلامية ونبذ الخلاف والتفرقة ما بين المسلمين مهما كانت انتماءاتهم المذهبية، فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أصالة الفكر الإسلامي عند قطب الأيمة الهادف إلى التحضير السيكولوجي للفرد المسلم من أجل تحرير نفسه عن طريق الجهاد(2).

كما ينبغي التأكيد على تعلّق اطفيش بمصلحة الوطن، والتشبث بوحدة ترابه، وعزة أبنائه، من خلال التحذير من ثقافة المستعمر ومظاهرها،(3) التي هددت شخصية الشعب الجزائري، وسعت إلى طمس رموز ثقافته، اعتمادا على مبدأ "فرِّق تسد". إن التشبث بفكرة مصلحة الوطن هو دليل جوهري يؤكد على حب قطب الأيمة لوطنه، والتفاني في خدمته، والسهر على حرية أفراد شعبه. فالقارئ لخطابه الفكري يستنتج أن الوطن عنده هو البيت

(1) اطفيش: كشف الكرب، تحقيق محمد علي الصليبي، ج 2، عمان 1985، ص363.

(2) Ourghi، 2008، S. 336ff.

(3) اطفيش: تيسير التفسير، ج5، ص 408.

٥٧٨ / ٦١٩