كتاب الملتقى الدولي الثاني للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش كمال بابكر

34 الخطاب الإباضي الثائر على الهيمنة الاستعمارية الفرنسية

الجزء ١ · صفحة ٢٨٩

القصيد للانتماء الجغرافي والهوية الدينية، كما أنه إثبات للاختلاف الفكري والثقافي ما بين الفرنسي المستعمر والجزائري المسلم، بحيث لا يمكن للواحد منهما تقمص شخصية الآخر.

ولعل خير دليل على وطنية القطب وتطلعاته لغرس الروح الجهادية عند أهالي الجزائر مقولته: «إن تشييع ثمانين جنازة في اليوم من بني يسجن أحبّ إلي من أن يطرق سمعي أن فرنسا وضعت قدمها على حجر واحد من"تيضفت"»(1)، ومن هنا يمكن القول أن الجهاد الذي كان يدعو إليه القطب هو جهاد دفاعي هدفه التحرر من سيطرة الاستعمار المستبد.

وفي رسالته "إن لم تعرف الإباضية " يشير اطفيش إلى العديد من السور المدنية كدليل ديني للدعوة إلى الجهاد ضد المستعمر الفرنسي، كما أنه يعتبر الجهاد من أقدس القربات وأشرف الأعمال الصالحة، لأن القصد منه إعلاء الدين وإعزازه، كما أن الدفاع عن الوطن واجب وفرض على الكفاية والموت في سبيل ذلك شهادة، وعلى كل قادر من أهل الإسلام ممن وقع العدو على دياره أن يقاتل(2).

ومن أهم آراء القطب في توعية أبناء وطنه بأهمية الجهاد وضرورته رؤيتُه الجديدة لمفهوم "الصبر" وبيان علاقته بظاهرة الاستعمار، فهو يرفض جذريا الصبر إذا تمت إهانة الإسلام باستبداد المستعمر والذي ينبغي قتاله(3)، وتكمن قيمة هذا الرأي في أنه لا يجوز للمسلم أن يتصالح مع واقع الاستعمار ولا أن يقبله قدرا يتكيف معه، لأن الإنسان المعتدى عليه له القدرة على تحرير وطنه. ويواصل القطب خطابه الهادف لنشر الوعي السياسي لدى المسلمين كموحدين رغم اختلاف مذاهبهم مستدلا بآي القرآن، فيقول في تفسيره للآية 60 من سورة الأنفال: «والآن يجب على عامة الموحدين ولاسيما السلاطين وأتباعهم أن يستعدوا بالرصاص والبارود والمدافع، ويتعلموا ذلك تعلما كليا محقَّقًا، ويعلِّموه الأجناد لعلهم يزيلون بعض غلبة أهل الشرك، والآية شاملة لهذا المعنى بالإلحاق والقياس، وكأنها نصٌ فيه.»(4)، من هنا يظهر تجسد الوعي الثوري عند القطب، والذي يحاول أن ينشره بين شرائح المجتمع كلها، إذ إنها مسؤولية المسلمين كلهم في تعميم الجهاد والقيام به، وخاصة حكامهم وأولوا الأمر منهم، ويتحسّر اطفيش كثيرا من أنه لا يستطيع القيام بنفسه بالجهاد،

(1) بوعجيلة: المذهبي والتاريخي والنقدي في تيسير التفسير الإباضي، ص 582.

(2) اطفيش: تيسير التفسير، ج 1، ص 265 - 9 26. بوعجيلة: المذهبي والتاريخي والنقدي في تيسير التفسير الإباضي، ص 571.

(3) التفسيرالمصدر نفسه،، ج9، ص 400.

(4) اطفيش: تيسير التفسير،، ج5، ص355 - 356.

Ourghi، 2008، S. 336ff.

٥٧٩ / ٦١٩