كتاب الملتقى الدولي الثاني للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش كمال بابكر

6 سيرة القطب اطفيش الجزائري بأقلام طلابه وتلاميذه

الجزء ١ · صفحة ٥٧

طفولته الأولى، ويُعد والده الحاج يوسف من الشخصيات البارزة في وادي مزاب على ذلك العهد، حتى وإن لم يسجل لنا التاريخ كُلَّ آثاره، أمَّا عن السبب المشهور لنفي والده إلى مدينة غرداية فيرجع إلى الخلافات التي كانت تنشب بينه وبين وجهاء بلدته يسجن حول إصلاح الأوضاع الاجتماعية(1).

إلاَّ أنَّ التَّنعُّم بظلِّ الوالد لم يدُم طويلاً للفتى امحمد، فقد توفي الأب والابن لم يتعد الرابعة من عُمُره، فتركه يتيماً تحت كفالة والدته التي توسَّمت فيه بوادر النبوغ فرشَّحته بكل ما تملك لنيل العلم النافع رغم قسوة ظروف الحياة ومرارة العيش، هذه الأم الرؤوم هي: مَامَة سَتِّي بنت الحاج سعيد بن عدون بن يوسف بن قاسم بن عمر بن موسى بن يدَّر، من عائلة آل يدر ببني يسجن، وتعتبر هذه الأم الفاضلة بِحقٍّ من الأمهات المكافحات وقد بذلت كلَّ جهدها في سبيل تنشئة ابنها التنشئة الصالحة.

وعنها يقول المؤرخ الأستاذ محمد علي دبوز: «لقد كان لوالدة القطب أعظم الجهد فيه بوراثتها الشريفة، فكانت هي السبب في اتجاه القطب إلى العلم بعد وفاة والده، فلولاها لاتجه اتجاهاً مادياً يُودِي بنبوغه كما أودت المادة والجهل بنبوغ كثير من اليتامى وأبناء الأمهات الجاهلات»(2).

فحينما بلغ محمد بن يوسف اطفيش الخامسة أدخلته أمه في كُتَّاب المسجد لحفظ القرآن، فسطع نجمه أمام أترابه، حيث لم تمر ثلاث سنوات حتى كان الفتى اليافع قد حفظ القرآن الكريم بكامله حفظاً جيداً عن ظهر قلبٍ وهو لم يبلغ بعدُ ثماني سنوات.

لقد فتح هذا النبوغ والذكاء الخارق مع الكفالة الطَّيبة الشَّهية للفتى امحمد، فسارع لحضور حِلقِ العلمِ في المسجد وفي بعض دور العلماء -مع قِلَّتهم على عهده-، فملأ منها بعض وِطَابِهِ إلاَّ أنها لم تشف غليله، إذ لم يأخذ منها الشيء الكثير بل انتهى إلى المبادئ فقط، فمن أخيه الأكبر إبراهيم بن يوسف(3) أخذ مبادئ النحو والفقه، وعن الشيخ سعيد بن يوسف وينتن(4) تلقى مبادئ المنطق، وكان يحضر حلقة الشيخ عمر بن سليمان نوح(5) مع أخيه إبراهيم، وحلقة الشيخ الحاج سليمان بن عيسى آل الشيخ(6) في دار التلاميذ

(1) - هكذا تذكر معظم المصادر ولا أدري بالضبط سببا غير هذا لانتقال والد القطب إلى مدينة غرداية، وقد استشرت عادة نفي الدعاة والعلماء قديمًا من قُراهم بسب تفشي الجهل والعصبية.

(2) - ينظر: محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة، المطبعة التعاونية، 1965م، ج1 ص290 وما بعدها.

(3) - إبراهيم بن يوسف: الأخ الأكبر القُطب، تلميذ الشيخ عبد العزيز الثميني، وجد أبو إسحاق إبراهيم اطفيش (ت: 1303هـ/1886م)، ينظر: معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، ج2 ص71.

(4) - سعيد بن يوسف وينتن: من حكماء مزاب على عهده، ناصر القُطب في نهضته العلمية بعد نبوغه، (حي في: 1267هـ/1847م)؛ نفسه، ج3 ص387.

(5) - عمر بن سليمان نوح: من علماء بني يسجن بميزاب، خلَّف بنتاً فاضلة وقد تزوَّجها القُطب اطفيش فوهبت له الخزانة التي ورثتها عن أبيها، (ت:1292هـ/1875م)، نفسه، ج3 ص643.

(6) - سليمان بن عيسى: من علماء بني يسجن وأبطالها، تلميذ ضياء الدين الثميني، وصاحب مدرسة علمية رائدة (حي في: 1265هـ/1848م)، نفسه، ج3 ص433 وما بعدها.

٥٨ / ٦١٩