كتاب الملتقى الدولي الثاني للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش كمال بابكر

6 سيرة القطب اطفيش الجزائري بأقلام طلابه وتلاميذه

الجزء ١ · صفحة ٥٨

اليسجنيين.

وقد كان لأخيه إبراهيم الأثر الكبير والفعال في تثقيف شخصية القُطب، ويمكننا أن نستدل على ذلك بما كتبه تلميذه أبو اليقظان، إذ قال: «لما رجع أخوه الشيخ الحاج إبراهيم من المشرق العربي من عُمان ومصر وهو مملوء بأوسع المدارك كما مر بيانه، إذ احتضنه تعليماً وتثقيفاً، فوجد منه بحراً زاخراً، عذباً يروي غلته من العلم والمعرفة، فأخذ حظه منه في سائر العلوم، ثم تفرغ للتدريس والتأليف، وصرف قوة شبابه فيهما إلى آخر عمره»(1).

وعلى ضوء هذا فإن أخاه الحاج إبراهيم، هو من كوَّن فيه الرغبة الخالصة في المعرفة مع التوجيه السليم، حيث درس عليه العلوم الشرعية كالعقيدة والفقه، وعلوم القرآن والمنطق والتاريخ، ثم إن أخاه قد منح له كل كتبه التي جاء بها من المشرق العربي، فدرسها دراسة علمية وقرأها من دون أستاذ حتى تمكن فيها كل التمكن، وفقه مسائلها وأدرك أسرارها؛ بعد ذلك شمر امحمد على ساعد الجِد بعزيمة لا تعرف الكلل ولا الملل، يدفعه في ذلك ذكاءه الحاد وذاكرته الوقَّادة مع رغبة في طلب العلم لا تعرفُ الحدود.

نشأ الشيخ اطفيش عصاميًّا مُعتمدًا على نفسه في طلب العلوم فلم يسافر لتحصيلها بل جعل دأبَهُ الحرص الشديد على اقتناء الكتب واستنساخها لنفسه، مجتهدًا في طلبها من كلِّ البُلدان، رغم ضيقِ ذات اليد وبُعدِ المسافات، وقد أقبل على المكتبات يلتهم كنوز المعرفة من بطونها، وساعدته في ذلك بعض الظروف فمن حسن حظه أن دعاه نجل الشيخ عبد العزيز الثميني وفتح له خزانة والده(2)، ثم وهبت له بعد ذلك زوجته الصالحة عائشة نوح(3) الخزانة التي ورثتها عن أبيها الذي كان عالما، بهذا وجد القطب نفسه أمام عدد من خزائن الكتب، فلم تتق نفسه إلى الرحيل خارج الوطن طلبا للعلم مكتفيا بما حوله من الكنوز.

2 - نبوغه:

لم يكد القُطب يبلغ السادسة عشرة من عُمره حتى جلس للتدريس والتأليف، ولما بلغ العشرين صار عالم وادي مزاب، ثم في كهولته بلغ درجة الاجتهاد، كما يذكر ذلك بنفسه في كتابه شامل الأصل والفرع، ولا أدل على ذلك من نبوغه النحوي، بحيث استطاع أن

(1) - ينظر: ملحق السير، إبراهيم أبو اليقظان، ج3 ص 153 وما بعدها، مخطوط.

(2) - خزانة الشيخ ضياء الدين الثميني هي المعروفة اليوم بمكتبة الاستقامة ببني يسجن، غرداية، الجزائر.

(3) - عائشة نوح: (ت: 1357هـ/1938م) من عالمات بني يسجن، أخذت العلم عن والدها وعن زوجها القُطب الذي وهبت له خزانة أبيها؛ معجم أعلام الإباضية، ج3 ص499.

٥٩ / ٦١٩