كتاب الملتقى الدولي الثاني للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش كمال بابكر

36 دحض الدعاوي التنصيرية في جزائر الاستعمار الفرنسي عند الشيخ اطفيش

الجزء ١ · صفحة ٣٢٢

أفراد المجتمع إشاعة الجهل وإذاعة الخرافات والمعتقدات عن الدين الإسلامي وتشكيك المجتمع في هويته ومنابع دينه الحنيف، وقد جند لهذا الموضوع ترسانة من المنصرين ومكنهم من وسائل العمل؛ فانبرى لهم من علماء الجزائر ومشايخها يوعون المجتمع ويشدون من أزره في وجه الامتيازات التي يحصل عليها المتنصر في مقابل الأزمات التي يحياها المجتمع، فكان للشيخ قلما سيال ومنبرا صادحا يرد بها على شبهات التنصير وبل عمل على تشكيك المنصرين في دينهم وتنبه المجتمع إلى ذلك وهو ما قام به مخطوطته "ردّ الشّرود إلى الحوض المورود".

تعريف بالشيخ اطفيش:

ولد القطب امحمد بن يوسف اطفيش في حاضرة مزاب غرداية حوالي سنة 1236هـ/1818م ثم ارتحل مع عائلته إلى بني يزقن بلدته الأم، أين توفي والده وتركه وهو ابن أربع سنين تحت كفالة أمه التي توسَّمت فيه بوادر النبوغ فرشَّحته بكل ما تملك لنيل العلم النافع رغم قسوة ظروف الحياة ومرارة العيش، هذه الأم الرؤوم هي: مَامَة سَتِّي بنت الحاج سعيد.(1)

فلما بلغ محمد بن يوسف اطفيش الخامسة أدخلته أمه المحضرة لحفظ القرآن، فسطع نجمه أمام أترابه، حيث لم تمر ثلاث سنوات حتى كان امحمد قد حفظ القرآن الكريم بكامله حفظاً جيداً عن ظهر قلبٍ وهو لم يبلغ بعدُ ثماني سنوات.

لقد فتح هذا النبوغ والذكاء الخارق مع الكفالة الطَّيبة آفاقًا للفتى امحمد، فسارع لحضور حِلقِ العلمِ في المسجد وفي بعض دور العلماء -مع قِلَّتهم على عهده-، فتشرب منها ما استطاع فلم تشف غليله، إذ لم يأخذ منها الشيء الكثير بل انتهى إلى المبادئ فقط، فجلس عن أخيه إبراهيم الذي عاد لحينه من رحلة طلب للعلم ساقته إلى المشرق، حيث درس عليه العلوم الشرعية كالعقيدة والفقه، وعلوم القرآن والمنطق والتاريخ، ثم إن أخاه قد منح له كل كتبه التي جاء بها من المشرق العربي، فدرسها دراسة علمية وقرأها من دون أستاذ حتى تمكن فيها كل التمكن، وفقه مسائلها وأدرك أسرارها. بعد ذلك شمّر امحمد على ساعد الجِد بعزيمة لا تعرف الكلل ولا الملل، يدفعه في ذلك ذكاءه الحاد وذاكرته الوقَّادة مع رغبة في طلب

(1) الهوامش:

1 - محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة، ج1، المطبعة التعاونية، الجزائر، 1965م، ص: 290 وما بعدها.

٦٠٥ / ٦١٩