كتاب الملتقى الدولي الثاني للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش كمال بابكر

36 دحض الدعاوي التنصيرية في جزائر الاستعمار الفرنسي عند الشيخ اطفيش

الجزء ١ · صفحة ٣٢٣

العلم لا تعرفُ الحدود(1).

نشأ الشيخ اطفيش عصاميًّا مُعتمدًا على نفسه في طلب العلوم فلم يسافر لتحصيلها بل جعل دأبَهُ الحرص الشديد على اقتناء الكتب واستنساخها لنفسه، مجتهدًا في طلبها من كلِّ البُلدان، رغم ضيقِ ذات اليد وبُعدِ المسافات، وقد أقبل على المكتبات يلتهم كنوز المعرفة من بطونها ويفهم ما تحويها. حتى أمسى نابغة جلس للتدريس في سن السادسة عشر وبلغ درجة الاجتهاد في كهولته.

ولما كان هو الفقيه وشيخ البلد فقد سلك القطب -رحمه الله- نهج المصلحين العاملين في جهاده الإسلامي، إلا أن الوصول إلى هذا الطريق الإصلاحي ليس بالأمر الهين، نظراً إلى سعي معارضيه الذين حاربوه وضايقوه في جهاده، فطالما استفزوه في إصلاحه ليلاً ونهارا، فشعر بأن دائرة السوء تسعى بكل قواها كي تحطمه وتنهي نهضته الإصلاحية في مهدها، كما بين ذلك في رسالة بعثها إلى بعض إخوانه العُمانيين قائلا: «فسلامٌ على الشيخ العالم عبد الله بن حميد والشيخ الفهامة عيسى بن صالح الفارسي من كاتبه امحمد بن الحاج يوسف، أعذرني يا أخي في تأخير الجواب بعض التأخر وما ذلك إلا لأهوال عظام من النصارى ومن أهل بلدي .. »(2).

وأمام الاستعمار الغاشم الذي قرع طبول الحرب في الصحراء ابتداء من 1853 فقد كان الشيخ اطفيش الجبهة الصلبة المعارضة لفرنسا عند وصولها إلى وادي مزاب، وكان يدع إلى الجهاد وعدم التعامل معها مادياً وعسكرياً، وحتى تجارياً، وهكذا فإن الجنرال الفرنسي "دولاتور" ( De Latour) قد سجنه في نوفمبر 1882م عند وصوله إلى وادي مزاب بأمر من الوالي العام الجزائري ليقنع العزابة بعدم جدوى وفاعلية مقاومتهم لإلحاق مزاب بالاحتلال الفرنسي، ناسين أو متناسين أن القُطب يعتقد جازمًا أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، مردِّدًا هذه العبارة الأخيرة في كلِّ مرة معتزًّا بالإسلام أيما اعتزاز. وكان يستدعى مرَّات إلى التحقيق بسبب تجرئه المستمر على السلطات الاستعمارية في بلدته وسائر قرى مزاب، حتى إنه فُتِّش وسُئل مرَّات عن وضعه الطابع البريدي مقلوبًا إلى الأسفل على ظروف

(1) 2 - في نص قصيدة لمفدي زكرياء عن الشيخ اطفيش، أنظر الملحق 07.

(2) 3 - المصدر نفسه، ص: 38.

٦٠٦ / ٦١٩