12 خميسي ساعد - أثر المذهب الموحدي في الحضارة الإسلامية بالمغرب
الجزء ١٢ · صفحة ٢١١الحروريين الباقين منهم بتلك الجريمة الغادرة لإمامة علي (رض)، وقد أخفى هؤلاء المجرمون مخططاتهم المجرمة على الجميع، ولو علموا بذلك مسبقا لأنكروها وعارضوها، ولا نظن أنه يرضى بها أي مسلم عاقل.
وبالتأكيد فإن الذين قُتلوا في النهر لو أنهم كانوا على قيد الحياة لما استحلوا دم علي (رض) انتقاما على من قتل في صفين، أو في وقعة الجمل، لأن حكمه حكم إمام وقائد عسكري مسلم، ولا أدل على ذلك ما استنكره شبيب بن بجرة الحروري في بداية الأمر، لما اقترح ابن ملجم عليه مؤامرته، وخطته، ولم يوافقه إلا بعد لأي شديد، هذا واحد منهم، فكيف بالناجين الآخرين بعد معركة النهر (وقد سموهم المؤرخون والفقهاء بعد ذلك بالخوارج)؟ قلت لم يشتركوا في تلك الجريمة جميعا، ولم يستشاروا فيها، وليس لهم علم بها، ولو علموا بالتخطيط لجريمة القتل لأفسدوا الخطة في نظرنا.
والاستخلاص الآخر نثبته هنا بمنطقه الواقعي، أن قضية قتل علي (رض) يكون من الخطأ التاريخي المفتن للأمة الإسلامية أن نتهم أناسا آخرين بقتله، أو فرقة إسلامية ومهما كانت في أي زمان أو مكان، لأن في ذلك تفتين وتفريق للأمة الإسلامية، وإذا قلنا بذلك نكون قد خالفنا أفكار وحكمة علي (رض) نفسه في اللحظات الحرجة في حياته، وهي لحظات المرض والموت والقتل غدرا، حيث حكم بفكر مبصر، وبقلب عظيم الإيمان، كما ذكر ابن الأثير: « .... ثم قال: النفس بالنفس، إن هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت في رأيي، يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين، تقولون قد قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن إلا قاتلي، انظر يا حسن: إن أنا مت من ضربتي هذه، فاضربه ضربة بضربة، ولا تمثلن بالرجل: فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: «إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور»، هذا كله وابن ملجم مكتوف» (ج3، ص:196).
ولم يذكر علي (رض) طائفة الحروريين، ولم يتهم الخوارج الذين لم يخرجوا وينشقوا بعد، ولم يفكر أو يذكر الإباضية الذين لم يتميزوا أو يخلقوا في ذلك الزمن وسيوجدون بعد مرور 24سنة من قتل علي (رض)، لم يذكر لا أهل البصرة، ولا أهل الكوفة، بل حذر من العصبية والقبلية والجاهلية (يابني عبد المطلب) وحذر غيرهم من الخوض في دماء المسلمين: ألا لا يقتلن إلا قاتلي، والنفس بالنفس، وضربة بضربة، ولم يقل ضربة بحرب، أو انتقام، أو بالمثلة والتشهير والكذب، كما يفتن