لعمارة بن عقيل يهجو بني أسد
الجزء ١ · صفحة ٢٠٩لعمري لأنت البيت أكرم أهله … وأقعد في أفيائه بالأصائل
وقرماء، ممدودة: اسم موضع. وشواه: قوائمه. وقد فسرناه قبل هذا. وقوله: ولوا أو أغاروا إذا طلبوا أو هربوا. وقوله: يصيدك أي يصيد لك، يقال: صدتك ظبياً، قال الله عز وجل: " وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون " " المطففين: 3 " أي كالوا لهم، أو وزنوا لهم، يقال: كلتك ووزنتك، لأنه قد قال تعالى أولاً: " إذا اكتالوا على الناس يستوفون " " المطففين: 3 " .
فأما ما جاء في الحديث من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الهبوب: " اللهم اجعلها رياحاً ولاتجعلها ريحاً " ، فإن العرب تقول: لا تلقح السحاب إلا من رياح. وتصديق ذلك قول الله عز وجل: " الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً " " الروم: 48 " وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا هبت بحرية ثم تذاءبت " قال الشاعر:
تسح إذا تذاءبت الرياح
يقول: إذا تقابلت ، يقال: تذاءبت الرياح، وتناوحت، أي تقابلت، وتناوح الشجر، إذا قابل بعضه بعضاً، وإنما سميت النائحة نائحة، لأنها تقابل صاحبتها.
فإذا خلصت الريح عندهم دبوراً فهي من جنس البوار، وإذا خلصت شمالاً شتوية فهي من آيات الجدب، ومن ثم تقول العرب: فلا يطعم في الشمال، كما تقول: يطعم في المحل. قال أوس بن حجر: وعزت الشمأل الرياح أي غلبتها، فكانت أقوى منها، فلم تدع لها موضعاً وقوله: " وعزني في الخطاب " " ص: 23 " أي غلبني في المخاطبة والخصومة، ومن أمثال العرب: من عز بر وتأويله: من غلب استلب ، قالت الخنساء:
كأن لم يكونوا حمى يتقى … إذا الناس إذ ذاك م عز بزا
بين غنوي وفزاري
قال أبو العباس: وحدثني عمرو بن بحر الجاحظ قال: رأيت رجلاً من غنى يفاخر رجلاً نم بني فزارة، ثم أحد بني بدر بن عمرو، وكان الغنوي متمكناً من لسانه؛ وكان الفزاري بكيئاً فقال الغنوي: ماؤنا من بين الرقم إلى كذا، وهم جيراننا فيه، فنحن أقصر منهم رشاء، وأعذب منهم ماء، لنا ريف السهور ومعاقل الجبال. وأرضهم سبخة، ومياههم أملاح، وأرشيتهم طوال، والعرب من عز بز، فبعزنا ما تخيرنا عليهم، وبذلهم ما رضوا منا بالضيم.
وقوله: كان الفزاري بكيئاً يقول: غير قادر على الكلام، وأصل ذلك في الحلب، يقال ناقة غزيرة وناقة بكيء، وهي ضد الغزيرة، أي قليلة اللبن، ودهين وصمرد، في معنى، يقال: بكأت الشاة والناقة، وبكؤت، قال الشاعر:
فإذا ما حاردت أو بكؤت … فض عن خاتم أخرى طينها
وقال سلامة بن جندل:
يقول محبسها أدنى لمرتعها … ولو تداعى ببكء كل محلوب
يقول: إن نحبس الإبل على ضر ونقاتل عنها فهو أدنى بأن تعز فترتع فيما تستقبل، وإن ذهبت ألبانها، لأنا إن أطردناها وهربنا طمع فينا واستذللنا، ويقال في الكلام: رجل عيي بكي.
قال أبو العباس: وهذا لغنوي: إذا قابل بقبيلته آل بدر فقد أعظم الفرية، وبلغ في البهت، وأشمت العدو بجمهور قيس، وصار بهم إلى قول الأخطل:
وقد سرني من قيس عيلان أنني … رأيت بني العجلان سادوا بني بدر
وكان زياد يقول - وهو الغاية في السياسة - أوصيكم بثلاثة: العالم والشريف، والشيخ، فوالله لا أوتى بوضيع سب شريفاً، أو شاب وثب بشيخ، أو جاهل امتهن عالماً إلا عاقبت وبالغت.
لعمارة بن عقيل يهجو بني أسد
وقال عمارة لبني أسد بن خزيمة:
يا أيها السائلي عمداً لأخبره … بذات نفسي وأيدي الله فوق يدي
إن تستقم أسد ترشد وإن شغبت … فلا يلم لائم إلا بني أسد
إني رأيتكم يعصى كبيركم … وتكنعون إلى ذي الفجرة النكد
فباعد الله كل البعد داركم … ولا شفاكم من الأضغان والحسد
فرأى عصيانهم الكبير من إقبح العيب، وأدله على ضغن بعضهم لبعض، وحسد بعضهم بعضاً، والوضيع ينقلب إلى الشريف، لأنه يرى مقاولته فخراً، والاجتراء عليه ربحاً، كما أن مقاولة الشريف للئيم ذل وضعة. قال الشاعر:
إذا أنت قاولت اللئيم فإنما … يكون عليك الفضل حين تقاوله
ولست كمي يرضى بما غيره الرضا … ويمسح رأس الذئب والذئب آكله
وسنشبع هذا المعنى إن شاء الله.
وفي هذا الشعر بيت يقدم في باب الفتك، وهو: