الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

لصخر بن عمرو بن الشريد

الجزء ١ · صفحة ٥١

أي تخرج من العدو ما يخرج.، قال الله عز وجل على مخرج كلام العرب وأمثالهم " فإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم " الذاريات 59 وأصل الذنوب الدلو كما ذكرت لك. وقال علقمة بن عبدة للحارث بن أبي شمر الغساني: " قال أبو الحسن : غير أبي العباس يقول شمرٌ، وبعضهم يقول شمرٌ " وكان أخوه أسيراً عنده، وهو شأس بن عبدة أسره في وقعة عين أباغ. " قال أبو الحسن: غيره يقول إباغ، بالكسر " في الواقعة التي كانت بينه وبين المنذر بن ماء السماء، في كلمةٍ له مدحه فيها:

وفي كل حي قد خبطت بنعمةٍ … فحق لشأسٍ من نداك ذنوب

فقال الملك: نعم وأذنبةٌ .وقوله:

" وقد كربت أعناقها أن تقطعا "

يقول: سقيت هذا السجل وقد دنت أعناقها من أن تقطع عطشاً، وكرب في معنى المقاربة، يقال:كاد يفعل ذلك، وجعل يفعل ذلك، وكرب يفعل ذلك، أي دنا من ذلك. ويقال: جاء زيد والخيل كاربته، أي قد دنت منه وقربت. فأما أخذ يفعل، و جعل يفعل، فمعناهما أنه قد صار يفعل، ولا تقع بعد واحدة منهما: " أن " إلا أن يضطر شاعرٌ، قال الله عز وجل: " إذا أخرج يده لم يكد يراها " النور 40 أي لم يقرب من رؤيتها، وإيضاحه: لم يرها ولم يكد، وكذلك : " يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار " ، وكذلك: " كاد يزيغ قلوب فريقٍ منهم " التوبة 117 بغير " أن " . ومن أمثال العرب: كاد النعام يطير، وكاد العروس يكون أميراً، وكاد المنتعل يكون راكباً وقد اضطر الشاعر فأدخل " أن " بعد " كاد " ، كما أدخلها هذا بعد " كرب " فقال:

" وقد كربت أعناقها أن تقطعها "

وقال رؤبة:

" قد كاد من طول البلى أن يمصحا "

فكاد بمنزلة كرب في الإعمال والمعنى، قال الشاعر:

أغثني غياثاً يا سليمان إنني … سبقت إليك الموت، والموت كاربي

خشية جورٍ من أميرٍ مسلطٍ … ورهطي، وما عاداك مثل الأقارب.

وقوله: " لما أوشكت أن تضلعا " :يقول: لما قاربت ذلك، والوشيك القريب من الشيء والسريع إليه، يقال: يوشك فلان أن يفعل كذا وكذا، والماضي منه أوشك، ووقعت بأن وهو أجود، وبغير " أن " كما كان ذلك في " لعل " ، تقول: لعل زيداً يقوم، فهذه الجيدة، قال الله عز وجل: (لعل الساعة تكون قريباً) الأحزاب 63 و(لعله يتذكر أو يخشى) طه44 و(لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً) الطلاق1 وقال تميم بن نويرة:

لعلك يوماً أن تلم ملمةٌ … عليك من الآئي يدعنك أجدعا

وعسى، الأجود فيها أن تستعمل بأن، كقولك: عسى زيد أن يقوم، كما قال الله عز وجل: " فعسى الله أن يأتى بالفتح " المائدة 52: وقال جل ثناؤه " عسى الله أن يتوب عليهم " التوبة 102 ويجوز طرح " أن " وليس بالوجه الجيد، قال هدبة:

عسى الكر بالذي أمسيت فيه … يكون وراءه فرجٌ قريب

وقال آخر:

عسى الله يغني عن بلاد ابن قادرٍ … بمنهمرٍ جون الرباب سكوب

وحروف المقاربة لها باب قد ذكرناها فيه على مقاييسها في الكتاب المقتضب بغاية الاستقصاء.وقوله: " أن تضلعا " ،معناه أن تمتلئ، وأصله أن الطعام و الشراب يبلغان الأضلاع فيكظانها،كذلك قال الأصمعي في قولهم: أكل حتى تضلع.

وأما قول أبي وجزة: " راحت بستين وسقاً " فالوسق خمسة أقفزةٍ بملجم البصرة، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " فما كان أقل من خمسة وعشرين قفيزاً بالقفيز الذي وصفنا، وهو نصف القفيز البغدادي في أرض الصدقة فلا صدقة فيه، وإنما أراد: أنه أخذ الكتاب بهذه الأوسق، فلذلك قال:

ما إن رأيت قلوصاً قبلها حملت … ستين وسقاً ولا جابت به بلدا

وأما قوله:

يقرون ضيفهم الملوية الجددا

٥١ / ٣٣٦