تمهيد:
الجزء ١ · صفحة ٣٢٥لا نريد أن نبحر في هذا الغرض لأنه يخرج بنا عن موضوعنا وإنما أحببنا أن نحدد الإطار الذي وضعت فيه قضية الكلام الإلهي. ومعلوم أن الخوض في شأنه كان أحد سببي تسمية العلم الذي عرف بعلم الكلام على حد تعبير ابن خلدون في المقدمة، " سموا مجموعه (9) علم الكلام: إما لما فيه من المناظرة على البدع وهي كلام صرف وإما لأن سبب وضعه والخوض فيه هو تنازعهم في إثبات الكلام النفسي". (10)
والمتأمل في مختلف وجهات النظر حول الكلام الإلهي يتبين أنها تعكس نظرة كل مفكر للكلام البشري فمن اعتبر أن اللفظ هو الأساس سهل عليه أن يقول بالخلق ومن اعتبر ما يجول في النفس هو الأساس أقر بعدم الخلق، ومن لم يقدم هذا على ذاك لم يقل لا بالخلق ولا بعدمه. وهناك من جمع بين الموقفين فقال بقدم المعنى وخلق اللفظ وقد استطاع ابن تيمية أن يحصر هذه المواقف في أربعة في النص الذي أوردناه قبل قليل.
كما يتبين كذلك أنها على صلة متينة بمواقف هذه الاتجاهات من صفات الله تعالى الذاتية منها والفعلية.
فالقائلون بأن الصفات الذاتية هي عين الذات اعتبروا الكلام مخلوقا حادثا والقائلون بأنها غير الذات اعتبروا الكلام غير مخلوق ومنهم من اعتبر الكلام صفة ذاتية من جهة نفي العجز وصفة فعلية من حيث الخلق.
واضح من خلال عرضنا لإطار هذه القضية العام أن المصادر الإباضية لم تهتم بتعريف الكلام لأنها تعتمد القواميس المعروفة. فلنحاول تعريف كلمتي " قرآن" و" خلق".
القرآن: إن المصادر الإباضية التي تخص المرحلة المقررة لم تهتم بالتعريف اللغوي، وإنما تنطلق مباشرة في عرض حجج القائلين بالقدم لترد عليها بحجج القائلين بالخلق.
والمتأمل في المصادر الإباضية اللاحقة يجد أن ناصر بن سالم الرواحي (11) اهتم بهذه القضية إلا أنه يكاد ينقل كل ما جاء في لسان العرب نقلا حرفيا.