تفهم مواقف الإباضية الأخرى:
الجزء ١ · صفحة ٣٧٢وإن بينت المصادر الإباضية أن القرآن مخلوق فإنها لم تعتبره جسما لأنه لو كان جسما لكان قائما بنفسه ومحتملا للصفات بل تعتبره شيئا مصدقا لقوله تعالى: ( …إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى..) (6 الأنعام 91).
كما تعتبره عرضا فهذا الوارجلاني يقول:" وقوله: عرض فعله تعالى في غيره وذلك لا يؤدي إلى حدوثه تعالى…" (125) كما أن محمد اطفيش يعبر عن نفس المعنى بقوله:" وأي ضرر في أن القرآن عرض يفنى ويتجدد تقيده القلوب والأوراق… وليس كل محدث سريع الفناء فهل العرش والكرسي والسماوات والأرض ونحوهم سريعو الفناء...." (126) .
فالقرآن حينئذ كلام الله مخلوق ليس بجسم (127) إلا أنه شيء وعرض.
وما دام القرآن فإن له وجودا في الأعيان ووجودا في الأذهان ووجودا في العبارات، ووجودا في الكتابة، لكن عند التأمل يثبت أن ما في الخارج ليس مدلول ما في الذهن بل مدلول اللفظ، وعلم الله يتعلق بجميع ذلك ومن هذا المنطلق صح التفسير والتأويل (128) .
فالكلام على الإطلاق صفة ذاتية من جهة وصفة فعلية من جهة أخرى بينما القرآن هو غير الله وليس بصفة إذ ما يصح فيه من إنزال وتفصيل لا يجوز على الله تعالى.
ويحسن أن نختم بما وصل إليه أبو إسحاق في تعليقه على مقدمة التوحيد:
" اعلم أن هذه المسألة مما احتدم الخلاف فيها بين الأمة فارتطم فيها من ارتطم… مما ليس في شيء من الحق وإنما جرت فيها مغالطة، والجهتان مختلفتان.
فذهب المشنعون بسوء الفهم شر مذهب والحق كما وضحه الإمام شمس الدين أبو يعقوب في الدليل وبين طريق كل من الفريقين القائلين بخلق القرآن والقائلين بقدمه.
فالأولون قصروا على القرآن المتلو المحفوظ في الصدور والمصحف الموصوف من الله بالمحدث والمنزل والجعل والذهاب الخ. ولم ينظروا الى القرآن الذي هو علم الله إذ لا ريب في قدمه.