51
الجزء ١١ · صفحة ٣٢٣﴿ وإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إِن مخففة ﴿ لَيُزْلقُونَكَ ﴾ يصرعونك واللام للفرق بين الإِثبات المراد والنفى وقيل إِن نافية خفيفة واللام للاستثناء ، يكادون يزلقونك فى الأَرض كالزلق فى سبخة مبتلة لشدة عداوتهم . ﴿ بِأَبْصَارِهِمْ ﴾ ينظرون إِليه نظراً شديداً نظر بغض ، وذلك مبالغة فى وصف بغضهم له - A - لأَن النظر ولو اشتد ببغض لا يصرع أحداً فحاصله لو أمكن أن يزلقوه بأَبصارهم لأَزلقوه كأَنه سرت عداوتهم له - A - من قلوبهم إِلى عيونهم ، والزلق على ظاهره ويكاد مجاز عن الشدة لأَن شدة بغضهم ونظرهم يزلق ولا يقرب من الإِزلاق ، وفى كلام الغرب والعجم ذلك يقال نظر إِلى نظراً يكاد يصرعنى ويكاد يأْكلنى وذكر ذلك بلا لفظ القرب من قال :
يتقارضون إِذا التقوا فى موطن … نظراً يزل مواطئ الأَقدام
وقيل يكاد على حقيقته والإِزلاق مجاز عن الإِهلاك وأنه كان فى بنى أسد عيانون فأَراد بعض منهم أن يعين رسول الله - A - ونجاه الله D فنزلت الآية ، وكان رجل من العرب يمكث يومين أو ثلاثة فيرفع جانب الخمار ، فيقول : لم ار كاليوم إِبلاً ولا غنماً أحسن من هذه فتسقط طائفة منها وتموت ، طلبه الكفرا أن يعين رسول الله -صلى الله A - فأَجابهم وشرع فى ذلك بأَن قال :
قد كان قومك يحسبونك سيداً … وأخال أنك سيد معيون
لم يؤثر فيه شئ ، فأَنزل الله تعالى الآية . وقالت قيش ليعينوه ما رأينا مثله ولا مثل حججه ولم يؤثر فيه ، وقراءة هذه الآية تدفع ضرر العين بإِذن الله تعالى والعين حق كما قال - A - « العين حق أو كان شئ يسبق القدر لقلت العين » وقال - A - « لا تزال العين بالجمل حتى تورده القدر ولا بالنخلة حتى توردها التنور » ، وأمر المعيان أن يغتسل وتصب غسالته على المعين ، وقال - A - « إِن العين لتولع بالرجل بإِذن الله تعالى حتى يصعد حالقاً ثم يتردى منه » فقالت أسماء بنت عميس : يا رسول الله إِن ولد جعفر تسرع إِليهم العين فهل أسترقى لهم . قال : « نعم . ولو كان شئ سابق القدر لسبقته العين » ، وفى ذلك أحاديث كثيرة . قال الحسن دواء من أصابته العين أن تقرأ عليه هذه الآية ، ولا يختص العين بالنفس الخبيثة وقد يكون من النفوس الزكية ، وقد كان رسول الله - A - يأْمر الصحابة بالتحرز عن العين بذكر الله ، ويمكن أن يكون العين مختصاً بالنفس الخبيثة أصالة حتى أن النفس الزمية يصدر منها بحسب خبثها الأَصلى عين ولا يختص العين بمن يبغض بل يكون ايضاً فيمن يحب ، ولا يختص أن يكون فى الأَمر الحسن بل يكون أيضاً فى القبيح ، وقيل يختص بالمستحسن ونسب هذا إِلى الشهرة ، ويعارضه أخبار الناس أنه وقع فى المستقبح والمستحسن وفى غير ذلك ، فالكفار يبغضون رسول الله - A - وارادوا أن يعينوه ، ولا دليل على عدم اختصاص العين بما يستحسن فى ذلك لأَنهم قد استحسنوا منه أشياء مع كفرهم وبغضهم كبلاغته وجماله وصدقه فى سائر كلامه وأحواله ، وما يذكر من القرآن والقرآن بليغ كما قال الله تعالىك ﴿ لما سمعوا الذكر ﴾ وأيضاً قد يتعاطون عينه ولو لم يستحسنوا منه شيئاً ، ويحبس العائن لئلا يضر الناس فإِن لم يكن له مال فنفقته من بيت المار .