هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

6

الجزء ١٢ · صفحة ١٠٧

﴿ وَمَنْ حَوْلَهُ ﴾ العطف على ( الذين ) وحوله جانبه ( والذين ) حوله هم الكروبيون وعن بعضهم أنهم أفضل الملائكة وساداتهم وأعلى طبقاتهم وأولهم وجوداً ، قيل حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الإيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما يسبح به الآخر وفي رواية يدبر ويقبل صف وإذا استقبل بعضهم بعضاً هلل هؤلاء وكبر هؤلاء ومن وراء هؤلاء الصفوف سبعون ألف صف قيام أيديهم على أعناقهم وعواتقهم إذا سمعوا تكبير هؤلاء وتهليلهم رفعوا أصواتهم بقولهم سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأحلمك أنت الله لا إله غيرك أنت الأكبر والخلق إليك كلهم راجعون .

وصرح بعض أصحابنا بمنع ( ما أفعل ) في صفات الله مثل ( ما أعظمه ) و ( ما أحلمه ) والصحيح الجواز لكثرة وروده في الحديث ومن وراء هؤلاء مائة ألف صف من الملائكة وضعوا اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد إلا يسبح بتحميد لا يسبحه الآخر ما بين جناحي أحدهم مسيرة ثلاثمائة عام وما بين شحمة أذنه إلى عاتقه أربعمائة عام .

قال قومنا : واحتجب الله من الملائكة الذين حول العرش سبعين حجاباً من ظلمة وسبعين حجاباً من نور وسبعين حجاباً من در أبيض وسبعين حجاباً من ياقوت أحمر وسبعين حجاباً من زبرجد أخضر وسبعين حجاباً من ثلج وسبعين حجاباً من برد وما لا يعلمه إلا الله D .

قلنا معشر الأباضية : من قال ذلك كفر لأنه يلزم منه أن يكون مقابلاً للحجاب غير محتجب عنه والحجاب خلق ومرتفعاً به ومحتاجاً إليه ومحدوداً بحجاب وأمان يقال احتجب عن خلقه بمعنى امتنع من أن يراه ويقابله فجائز وإن صح ذلك حديثاً فمعناه احتجب أمر عظيم من أموره بذلك والله يعلمه ما هو ﴿ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ ينزهونه عما لا يليق بجلاله ويعترفون بأنه المنعم على الإطلاق يذكرون الله بمجامع الثناء من صفات الجلال والإكرام ليس لهم كلام غير التسبيح والتحميد والتكبير والتمجيد .

قال ابن عباس : يقولون سبحان ذي العز والجبروت سبحان ذي الملك والملكوت سبحان الله الذي لا يموت سباح قدوس رب الملائكة والروح وينفون عنه الرؤية والملاقاة تعالى عنهما فإيمانهم وإيمان غيرهم بطريق النظر لا بالمعاينة والعبارة تقتضي أن الحمد حال والتسبيح أصل لأن الحمد مقتضي حالهم والتسبيح مشعر به كذا قيل وجملة ( يسبحون ) خبر ( الذين ) ﴿ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ فائدة هذا مع علمه من التسبيح والحمد إظهار فضل الإيمان وتعظيم أهله ومساق الآية لذلك وللإشعار بأن حملة العرش ومن حوله مع عظمهم آمنوا ولم يعاندوا وقيل قوله ( ويؤمنون به ) إطناب من حيث أن إيمانهم لا ينكره من يثبته وحسن ذكره إظهار شرف الإيمان ترغيباً فيه ولقوله ( يؤمنون ) به فائدة أخرى وهي التنبيه على أن الأمر لو كان كما تقول الفرقة الضالة الواصفون الله بالجسم أن حملة العرش ومن حوله معاينون لله حاشاه لما وصفوه بالإيمان أي التصديق وإنما يوصف به الغائب ولما وصفوه به على سبيل الثناء علم أن إيمانهم بطريق النظر والاستدلال كغيرهم وقد راعى المناسبة بينهم وبين غيرهم في الإيمان بغير المعاينة بقوله :

﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ مع قوله ويؤمنون به كما تقول ( زيد مذنب يستغفر للمذنبين ) وحاشا الملائكة عن الذنب وتقول ( زيد كان فقيراً ويرحم الفقراء ) كأنه قيل ( ويؤمنون ويستغفرون ممن كان في مثل حالهم وصفتهم ) وفي الاستغفار ( للذين آمنوا ) تنبيه على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة وأبعثه على تمحيص الشفقة وإن تفاوت في الأجناس وتباعدت الأماكن هذا سماوي وذا أرضي وذلك ملك وذاك إنسان ولعظمة الإيمان قارن وجانس بين المتباعدين أشد التباعد وبين المعصومين عن الذنب والمذنبين كثيراً فلا أخوة أقوى من أخوة الإيمان وهذا الاستغفار منهم عوض عن قولهم

٥٬٦٠٧ / ٧٬٦٨٠