هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

1

الجزء ٨ · صفحة ٣١٨

﴿ اقْتَرَبَ ﴾ بمعنى قرب فهو موافق للمجرد والزيادة للتأكيد ﴿ للنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾ .

وإن قلت : كيف وصف بالاقتراب وهذه ألف ومائتان واثنان وسبعون عاما منذ نزلت الآية أو أكثر من ذلكظ

قلت : وصف به لأنه عند الله قريب ولو بعُد عند غيره . واليومُ عند الله ألف سنة من سنوات الدنيا؛ ولأن كل آتٍ قريب ، وإن طال أجله وإنما البعيد هو ما مضى ، أو لأن الاقتراب نسى؛ فإن ما بقى من الدنيا ولو ظل قصير بالنسبة إلى ما مضى؛ بدليل بعث النبى A الذى هو خاتم النبيين وعلامة للساعة .

وعنه A : بُعثت فى قَسَم الساعة .

وخطب بعض المتقدمين : ولّت الدنيا حداء ، ولم تبق إلا صُبابة كصُبابة الإناء . و اللام متعلق باقترب وهى أصل .

وإن اعتبرنا أن الأصل اقترب حساب الناس ثم اقترب حسابُ الناس بعد تنوين حساب للإضافة فقدم الجار والمجرور ، فتعلق باقترب . وكان الجار غير زائد ، ثم عوض عن التعريف بالإضافة للتعريفُ بأَل فقيل : اقترب للناس الحساب ثم اقترب للناس حسابهم . فهى بحسب الأصل زائدة وهى للتأكيد ولو بعد ذلك .

فإنه إذا كان يكفى أن يقال : اقترب حساب الناس فزيد فيه اللام وضمير الناس بأن قيل : اقترب للناس حسابهم فلا يخفى ما فيه من التقوية ولو لم يُقل بزيادتها فى الأصل لذكر الناس مرتين إظهاراً وفى ذلك نوع إبهام وتبيين .

والناس : المشركون؛ بدليل وصفهم بما يأتى فهو من إطلاق اسم الجنس على بعضه .

وذلك قول ابن عباس قيل : مراده مشركو مكة المنكرو البعث .

ويحتمل أن يراد كل المكلفين والحكم عليهم بالوصف الآتى حكم على المجموع وفيه زجر للجميع كما تقول للطلبة : مالكم تنامون ، وتغلظ عليهم ، مع أن النائم بعضهم ، زجراً للبعض ، وتحذيراً لغير النائم أن ينام .

وفى ذكر مجئ الحساب أيضاً دعاء للتأَهب .

وذكرتَ معنى الحساب والبحث فى حساب المشركين غير هذه السورة .

وكان رجل من أصحاب النبى A يبنى جداراً فمرَّ به آخَرُ يومَ نزول هذه الآية فقال الذى يبنى : ماذا نزل اليوم من القرآن؟

قال : نزل ﴿ اقترب للناس حسابهم وهم فى غفلة معرضون ﴾ فنفض يديه وقال : والله لا بنيت .

قال أبو بكر بن العربى : قال لى شيخى : ارغب فى العبادات لا تذهب بك أمر ، فى مطاولة الأقران ومواصلة الإخوان . ولم أر للخلاص أقرب من طريقين : إما أن يغلق الإنسان بابه على نفسه ، وإما أن يخرج إلى موضع لا يعرف فيه . فإن اضطر إلى مخالطة الناس ، فليكن معهم ببدنه ، ويفارقهم بلسانه وقلبه . وإن لم يستطع فبقلبه . والواو للحال ، وفى غفلة تتعلق بمحذوف خبر ، ومعرضون خبر ثان ، أى هم ثابتون فى غفلة من الحساب ، معرضون عن التفكر فيه ، أو متعلق بمحذوف حال من المستتر فى معرضون ، ومعرضون خبر ، وصاحب الحال الذى هو جملة حساب .

٣٬٨١٨ / ٧٬٦٨٠