الفصل الرابع: في الرؤية
الجزء ١ · صفحة ١١٠وأما ما أتى به السور من البراهين النقلية فأشياء منها قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)( 4) الآية، فنفى تعالى إدراك الأبصار لذاته وامتدح بذلك، فنفي الإدراك مدح له تعالى لهذه الآية، وما كان مدحاً له تعالى فلا يصح زواله عنه واتصافه بضده، لأن ما كان سبباً للمدح فهو كمال وضده نقص، ولا يصح أن يزول شيء من الكمالات الإلهية، ولا أن يتصف الإله بشيء من أضدادها النقصانية، فلو جاز أن يزول ما كان سبباً لمدحه تعالى للزم عليه جواز تبديل تعالى بالذل(5 ) وحمده تعالى بالشتم، وهذا محال في حق صفاته تعالى، فكذا الاتصاف بالرؤية في وقت من الأوقات، أو من شخص من الأشخاص محال قطعاً، لما يلزم عليه من تبديل موجب المدح، وجواز الاتصاف بموجب الذم، فصح استدلالنا بالآية وسقط اعتراضات الخصم علينا بمحتملات وهمية، توهموا أنها التحقيق في معنى الآية، حتى افتخر بعض متأخريهم بذلك فرحاً بما لديه فقال:
وأراد بابن الخطيب الفخر الرازي، ومنها قوله تعالى لكليمه(7 ) تعالى (لن تراني) الآية، حين قال له: (ربي أرني أنظر إليك) فلو كانت الرؤية جائزة في حقه تعالى لما علقها بالمستحيل في جوابه لكليمه تعالى، وذلك قوله تعالى: (ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني)( 8) فعلق الرؤية على استقرار الجبل، واستقرار الجبل في علمه تعالى محال، والمعلق على المحال محال مثله، ألا ترى أن أحدنا يقول( 9): آتيك إذا شاب الغراب أي ابيضذ شعره وابيضاض شعر الغراب محال، فالإتيان محال مثله، لتعلقه به.
قالوا: استقرار الجبل ممكن في نفسه، والمعلق بالممكن ممكن مثله.
قلنا: إمكانه في نفسه إنما هو بحسب جهلنا بحقائق الأشياء أما عند من علم الحقائق فاستقراره محال، فظهر أن الاستقرار ليس بممكن في نفسه، وإنما كان إمكانه بالنظر إلى عدم اطلاعنا على الحقائق، فالرب تعالىعالم بها وبعدم استقرار الجبل، وعلق وقوع الرؤية عليه، فصح ما قلنا، والحمد لله.