شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

مقدمة الكتاب

الجزء ١ · صفحة ٣

( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) الْحَمْدُ : الثَّنَاءُ عَلَى الْجَمِيلِ ، سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بِالْفَضَائِلِ أَمْ بِالْفَوَاضِلِ ، وَبَسَطْتُهُ فِي شَرْحِ اللَّامِيَّةِ وَغَيْرِهِ كَحَاشِيَتِي عَلَى أَبِي مَسْأَلَةَ ، فَإِنِّي قَدْ ذَكَرْتُ فِيهَا أَقْسَامَ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ وَالْمَدْحِ ؛ وَاَللَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ الْوُجُودَ لِذَاتِهِ ، بِمَعْنَى أَنَّ ذَاتَهُ تَقْتَضِي الْوُجُودَ وَتَسْتَلْزِمُهُ حَتَّى إنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ بِالْعَدَمِ ؛ ( حَمْدًا ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِمَحْذُوفٍ لَا لِلْحَمْدِ ، لِئَلَّا يَلْزَمَ الْإِخْبَارُ عَنْ الْمَصْدَرِ قَبْلَ مَعْمُولِهِ ؛ أَيْ نَحْمَدُهُ حَمْدًا ؛ ( يُوَافِي ) أَيْ يُقَابِلُ وَيُعَادِلُ ( مَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْنَا مِنْ النِّعَمِ ) النِّعْمَةُ : أَمْرٌ حَلَالٌ مُلَائِمٌ ، فَمَا تَفَضَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ عَلَى الْكَافِرِ نِعْمَةً وَلَوْ هَلَكَ بِهَا ، لِأَنَّ ذَلِكَ لِاسْتِعْمَالِهِ لَهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا نِعْمَةٌ عَلَيْهِ وُجُوبُ الشُّكْرِ عَلَيْهَا إجْمَاعًا ؛ ذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّ أَفْضَلَ الْحَمْدِ " الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ " حَتَّى إنَّ مَنْ حَلَفَ لَيَحْمَدَنَّهُ بِجَمِيعِ مَحَامِدِهِ وَقَالَ ذَلِكَ بَرَّ ، وَالْمُرَادُ : إنْشَاءُ حَمْدٍ يُوَافِي مَا تَفَضَّلَ بِهِ مِنْ النِّعَمِ عَلَيْهِ بِأَنْ طَلَبَ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَتِمَّ تَقْصِيرُهُ فَيَصْدُرَ مِنْهُ حَمْدًا يَكُونُ طِبْقَ مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِهِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : اللَّهُمَّ أَصْدِرْ مِنِّي حَمْدًا يُوَافِي ذَلِكَ ، وَالْمُرَادُ يُوفِي النِّعَمَ الَّتِي هِيَ خِلَافُ التَّوْفِيقِ لِذَلِكَ الْحَمْدِ ، فَإِنَّ التَّوْفِيقَ إلَيْهِ نِعْمَةٌ أَيْضًا ، وَالشَّيْءُ لَا يُعَادِلُ نَفْسَهُ ، وَأَيْضًا لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ التَّوْفِيقَ فِي قَوْلِهِ : مَا تَفَضَّلَ ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَدْ طَلَبَ مِنْ اللَّهِ خَصْلَةً لَا يَكُونُ لِلَّهِ عَلَيْهِ مَعَهَا مِنَّةٌ وَفَضْلٌ ، وَذَلِكَ غَيْرُ وَاقِعٍ وَغَيْرُ جَائِزٍ الْوُقُوعَ وَغَيْرُ جَائِزٍ الطَّلَبَ بِهِ كَسَائِرِ الْمُسْتَحِيلَاتِ فِي حَقِّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَافْهَمْ ؛ وَلَا يَتَكَرَّرُ

٣ / ١٧٬٤٣٨