17 جهود العلامة اطفيش في التفسير البلاغي للقرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٢٦٤وقد عرّف "الزركشي" هذا الضرب من الصياغة؛ فقال: «هو أحد أساليب البلاغة أتوا به دلالة على تمكنهم في الفصاحة، وملكتهم في الكلام، وانقياده لهم، له في القلوب أحسن موقع، وأعذب مذاق»(1)؛ وأبان "اطفيش" في تفسيره عن صور هذا الأسلوب، ومن ذلك تقديم المسند؛ فقد ذكره في مواضع كثيرة، قال تعالى: ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ [الصافات: 47]؛ حيث قال: «وتقديم "فيها" للحصر؛ أي انتفى منها خاصة الغول»(2)؛ فالغول هنا مغيّب منها على سبيل التعيين والتخصيص حصرا.
أما عن تقديم المفعول؛ فقد ذكره الشيخ في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: 31]؛ فقال: «مفعول ثان، يصل الذي بعده، قُدّم على طريق الاهتمام، والحصر، والفاصلة»(3)؛ كونه يبعث على التعظيم، والتهويل، والتهديد، والترهيب، وكذا التأكيد على أن عقاب الله واقع وحق لا ريب فيه.
ومن التقديم والتأخير ما يخرج عن ذلك، نحو قوله تعالى: ﴿وَإذْ قُلْنَا لِلْمَلآَئِكَةِ اسْجُدُواْ ءَلاِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلآَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34]، وقد فسّره فقال: «والاستفعال هنا للمبالغة؛ أي تقرر فيه كبر عظيم، وهو أصل الإباء، أو مع الأنفة إلا أنه قدّم الإباء؛ لأنه مما يظهر، والاستكبار قلبي، وإنما يظهر بأثره، وذكرا جميعا لبيان أن إباءه لا يزول؛ لأنه لكبر راسخ فيه»(4)؛ وفي ذلك تقديم للظاهر المعلن على الخفي الباطن؛ بما يقتضيه حال المخاطب وطبعه في الإدراك؛ فيصبح أكثر اقتناعا، وتأثرا.
أما مقام القصر؛ بمعنى «تخصيص أمر بأمر بطريق مخصوص»(5)، فينقسم تبعا لحال المخاطب إلى ثلاثة أقسام؛ قصر قلب في حال مخاطب يعتقد عكس ما يقال، وقصر إفراد في حال اعتقاد المخاطب الاشتراك في الحكم بين المقصور عليه وغيره، والقصر هنا حكم على فرد واحد دون غيره على سبيل التعيين، وقصر تعيين في حال شك المخاطب في الحكم بين المقصور عليه وغيره، والقصر من حيث الواقع إما حقيقي اختص فيه المقصور بالمقصور عليه دون أن يتعداه، وإضافي على سبيل المجاز أو المبالغة(6).
وما جاء على سبيل القصر حقيقي، قوله تعالى: {قُلِ اِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى
(1) - م. س، البرهان الزركشي، 3/ 233.
(2) - م. س، تيسير التفسير،، 11/ 190.
(3) - م. س، تيسير التفسير،، 14/ 115.
(4) - م. س، تيسير التفسير، 1/ 55.
(5) - م. س، فضل حسن عباس، ص 277.
(6) - ينظر: م. ن، ص 281.