17 جهود العلامة اطفيش في التفسير البلاغي للقرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٢٦٥إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمُ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]، وقد شرحه شيخنا مفسرا، فقال: «أنا بشر مثلكم حصر موصوف، وهو رسول الله على صفة؛ هي كونه بشرا مماثلا لهم، قصر قلب تنزيلا لاقتراحاتهم منها مما لا يكون من بشر مثلهم، منزلة من يدّعي أنه غير بشر، غير مماثل لهم، أو قصر تعيين تنزيلا لهم لذلك منزلة من لا يدري أنه بشر مثلهم، والحصر الثاني أنما إلهكم إله واحدا حصر موصوف؛ هو الله - عز وجل - على الصفة؛ هي الألوهية قصر قلب تنزيلا لعدم إذعانهم إلى القرآن منزلة من يدّعي عدم الألوهية، وقصر إفراد تنزيلا لذلك منزلة مدعي تعدد الإله»(1).
وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ اِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ اَنقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَّنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَّضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144]؛ فلا «يتجاوز الرسالة إلى الألوهية؛ فتترك العبادة لموته، ولا إلى الحياة أبدا، بل يموت كما يموت الرسل بقتل، أو بغيره، وذلك قصر إفراد .. أو قصر قلب، إذ توهموا أنه لا يجب البقاء على دينه بعد موته، وهذا القصر منصب على النعت؛ وهو قد خلت»(2).
هكذا اجتمع في الآيتين الكريمتين أكثر من أسلوب للقصر، على سبيل التأكيد، وإقامة الحجة على ألوهية الله، ونبوة رسوله، وأن الله حي لا يموت، وأن الرسول بشر يتقدمهم في المنزلة والمكانة، مما يسقط احتمال الشك بالبرهان العقلي.
أما عن القصر الإضافي ففي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 81]؛ أي أنّ «الذي جئتم به هو السحر لا غيره، فتعريف الطرفين للحصر الإضافي؛ كأنه قيل لا ما جئت به من الحق، فإنه ليس سحرا»(3).
وفي قوله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [سورة القلم: 25]، واعتبره شيخنا قصرا على سبيل الحصر الإضافي: «أي إنما قدروا على الغضب، أو العزم على المنع فقط
(1) - م. س، تيسير التفسير، 7/ 506.
(2) - م. س، تيسير التفسير،2/ 180.
(3) - م. س، تيسير التفسير، 6/ 311.