كتاب الملتقى الدولي الثاني للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش كمال بابكر

22 أسباب النزول في كتاب تيسير التفسير

الجزء ١ · صفحة ١٥

فالغفلة عن أسباب التّنزيل تؤدي إلى الخروج عن المقصود بالآيات.

وقديمًا تأوّل الصحابي الجليل قدامةَ بنِ مظعون – رضي الله عنه - ونفر من أهل الشام قولَه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:93]. فكانوا يقولون: الخمر حلال مباحة، ويحتجون بهذه الآية، ولو علموا سبب نزولها لم يقولوا ذلك، وكان عمر بن الخطاب قد ولّى قدامةَ على البحرين، ثم عزله بشهادة الجارود – سيد عبد القيس - عليه بشرب الخمر، وأقام عليه الحدّ بعد أن بيّن له ابن عباس فساد تأويله بقوله: «إن هؤلاء الآيات أنزلن عذرًا لمن غَبَر، وحجة على النّاس … »

قال القرطبي (ت: 671هـ): «لو كان من شرب الخمر واتقى الله في غيره، ما حُدّ على الخمر أحد، فكان هذا من أفسد تأويل، وقد خفي على قدامة، وعرفه من وفقه الله كعمر وابن عباس رضي الله عنهم … »(1).

وتحريم الخمر كان في السنة الرابعة بعد غزوة أحد، وسبب نزول الآية أنه كان في شهداء أُحد ومَن مات من غيرهم يشربونها، فأشفق إخوانهم عليهم، فقالوا: إخواننا ماتوا وهي في بطونهم. فنزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ لتقرّر أنّ التّحريم يبدأ من النّصّ لا قبله، وأنه لا يحرم بأثر رجعي، فلا عقوبة إلا بنصّ، سواء في الدنيا والآخرة، لأن النّصّ هو الذي ينشئ الحكم، والذين ماتوا والخمر في بطونهم، وهي لم تحرم بعد …(2).

وقد أخرج الشيخان وغيرهما سبب نزول هذه الآية عن البراء قال: «مات رجال من أصحاب النّبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن تحرم الخمر، فلما حرمت الخمر قال رجال: كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا … ﴾»(3) .. ولولا بيان سبب النّزول لظل النّاس إلى يومنا هذا يبيحون تناول المسكرات وشرب الخمر أخذًا بظاهر الآية.

(1) القرطبي لجامع لأحكام القرآن (6/ 299).

(2) انظر: سيد قطب، في ظلال القرآن (2/ 974 - 975، 977). وتحريم الخمر في السنة الرابعة في واقعة بني النضير هو قول ابن إسحاق، ويرى الحافظ ابن حجر أنه كان عام الفتح سنة ثمان، قبل فتح مكة. انظر: فتح الباري (8/ 279 و10/ 31).

(3) البخاري، الجامع المسند الصحيح (6/ 54) ح: (4620). ومسلم، المسند الصحيح (3/ 1570) ح: (1980). وانظر: الزركشي، البرهان (1/ 28)، والسيوطي، الإتقان (1/ 108). وصبحي الصالح، مباحث في علوم القرآن (ص: 131).

٣٤٨ / ٦١٩